القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٧ - صنع الفلك
سَخِرُوا مِنْهُ ...[١]. فهل كان ذلك منهم من دون أن يخبرهم نوح بنزول العذاب و الطوفان، أو إنّهم كانوا يوغلون بالتكذيب و السخرية حتى بعد إخباره لهم بمجيء الطوفان.
لا يوجد تصريح في القرآن الكريم، و إن كنت أستقرب أن يكون ذلك بعد إخبار نوح لهم بذلك، كما هو مقتضى الحال، و ما يفهم من بعض الآيات أنّ نوحا كان قد أخبرهم بنزول العذاب ... فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ[٢].
و يشير إلى ذلك ما كان يذكره نوح لهم في مقابل سخريتهم ... قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ[٣].
و استمرت هذه الحرب النفسية الطويلة طيلة المدة التي كان يصنع فيها نوح عليه السّلام- الفرد المحاصر قليل العدّة و العدد- السفينة العظيمة التي يريد أن يعدها لهذه المهمة.
و لعلّ هذه الفترة كانت من أصعب الاوقات التي مرّ بها الرسول (نوح عليه السّلام)؛ لأنّها كانت فترة المقاطعة الشاملة، و فترة الحرب النفسية الظالمة، و فترة الانتظار و الترقب لنزول العذاب و تحقق الوعد الإلهي. و قد كان اللّه- تعالى- يرعى نوحا بعينه التي لا تنام، و يسدده بالوحي، و يعلمه كيف يصنع السفينة في مراحلها
[١] - هود: ٣٨.
[٢] - هود: ٣٢- ٣٣.
[٣] - هود: ٣٨- ٣٩.