القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ٦١ - تكرار القصة في القرآن الكريم
للمسلمين قد يؤدّي إلى فهم خاطئ للمفهوم المراد إعطاؤه للامة، فيفهم انحصاره في نطاق الواقعة التي عاشتها القصّة و ظروفها الخاصّة، فتأتي القصّة الواحدة في القرآن الكريم مكررة من أجل تفادي هذا الحصر و التضييق في المفهوم، و تأكيد شموله و اتّساعه لكلّ الوقائع و الأحداث المشابهة؛ ليتّخذ صفة القانون الأخلاقي أو التاريخي الذي ينطبق على كلّ الوقائع و الأحداث.
الثالث: أنّ التكرار يكون سببا في فاعلية القصّة كمنبّه للامّة على علاقة القضية الخارجية التي تواجهها- في عصر النزول أو بعده- بالمفهوم الإسلامي؛ لتستمدّ منه روحه و منهجه، فيكون تكرار القصّة بيانا للمنبّه عند الحاجة إليه.
و لعلّ هذا السبب و السبب الذي قبله هو ما يمكن أن نلاحظه في تكرار قصّة موسى، و الفرق بين روحها العامة في القصص المكّي و روحها في القصص المدنيّ، فإنّها تؤكّد في القصص المكّي منها على العلاقة العامة بين موسى من جانب و فرعون و ملائه من جانب آخر، دون أن تذكر أوضاع بني إسرائيل تجاه موسى نفسه، إلّا في موردين يذكر فيهما انحراف بني إسرائيل عن العقيدة الإلهيّة بشكل عام، و هذا بخلاف الروح العامة لقصّة موسى في السور المدنية؛ فإنّها تتحدّث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل، و تتحدّث عن هذه العلاقة و ارتباطها بالمشاكل الاجتماعية و السياسية.
و هذا قد يدلّنا على أنّ هذا التكرار للقصّة في السور المكية إنّما كان لمعالجة روحية تتعلق بحوادث مختلفة واجهت النبي و المسلمين، و من أهداف هذه المعالجة توسعة نطاق المفهوم العام الذي تعطيه قصّة موسى في العلاقة بين النبي و الجبارين من قومه، أو القوانين التي تحكم هذه العلاقة، و أنّ هذه العلاقة مع نهايتها لا تختلف فيها حادثة عن حادثة أو موقف عن موقف.