تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٩
و علي وحدانيته، لأن من فكر في السماوات و عظمها و عجائب ما فيها من النجوم و الأفلاك، و مسير ذلک علي التقدير ألذي تسير عليه، و فكر في الإرض و ما فيها من ضروب المنافع، و في اختلاف الليل و النهار و مجيئهما بالأوقات و الازمنة الّتي فيها المصالح، و اتساق ذلک و انتظام بعضها إلي بعض، و حاجة بعضها إلي بعض حتي لو عدم شيء منه لم يقم ما سواه [مقامه][١] علم أن ذلک لا يکون إلا من مدبر قادر عليم حكيم واحد، لأنه لو کان قادراً، و لم يكن عالماً بالعواقب لما أغنت القدرة شيئاً، و لو کان عالماً غير حكيم في فعله لما أغني العلم شيئاً، و لو كانا اثنين ما انتظم تدبير، و لا تم خلق، و لعلا بعضهم علي بعض، کما قال تعالي: «لَو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتا»[٢] فكيف ينسب إلي الفقر من کان جميع ما في السماوات و الإرض بيده، أم كيف يکون غنياً من کان رزقه بيد غيره إذا شاء رزقه و إذا شاء حرمه، و يدل علي أن خالق الجسم لا يشبهه، لأنه لو أشبهه، لكان محدثاً مثله، و يدل علي أنه قديم، لأنه لو کان محدثاً لاحتاج إلي محدث و لأدي ذلک إلي ما لا يتناهي و يدل أيضاً علي أنه قادر علي جميع الأجناس، لأنه من قدر علي الجسم يقدر علي سائر الأجناس، و وجه الدلالة من خلق السماوات و الإرض علي اللّه هو ان الإنسان إذا فكر و رأي عظمها، و ثقل الإرض، و وقوفها علي غير عمد يقلها، و حركة السماوات حولها لا علي شيء يدعهما، علم أن الممسك لذلك هو ألذي لا يشبه الأجسام و لا المحدثات، لأنه لو اجتمع جميع الخلق علي أن يمسكوا جسما خفيف المقدار، و يقوله في الجو من غير أن يدعموه لما قدروا عليه، فعلم حينئذ ان ألذي يقدر عليه مخالف لجميع الأشياء و علم أيضاً أنها لو كانت السماوات و الإرض معتمدة علي غيرها لكان ذلک الغير يحتاج إلي ما يعتمد عليه و في ذلک اثبات ما لا يتناهي من الأجسام، و ذلک محال فهذا أحد وجوه دلالة السماوات و الإرض، و هو أحد
[١] هكذا في المخطوطة (أ) و في المطبوعة ما بين القوسين ساقط، و المخطوطة (ب) ناقصة في هذا المكان أوراقاً كثيرة.
[٢] سورة الأنبياء: آية ٢٢.