تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٥٧
ليس بحقيقي، و مع ذلک قد وقع فصل بين الفعل، و الفاعل.
قوله تعالي: [سورة النساء (٤): آية ٧٤]
فَليُقاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشرُونَ الحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرَةِ وَ مَن يُقاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقتَل أَو يَغلِب فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجراً عَظِيماً (٧٤)
- آية- لما أخبر اللّه تعالي في الآية الاولي ان قوماً من المنافقين يثبطون المؤمنين عن جهاد العدو و القتال في سبيل اللّه، حث في هذه الآية علي الجهاد، بأن قال:
لا تلتفتوا إلي تثبيط المنافقين، و قاتلوا في سبيل اللّه بائعين للدنيا بالآخرة، إذ لكم بذلك أعظم الأجر و أكبر الحظ. و قال الزجاج: فليكن من الّذين يقاتلون في سبيل اللّه أو عمن کان بينه و بينكم عقد مودة. و معني (يَشرُونَ الحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرَةِ) يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. و بيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة ببذلهم أنفسهم، و أموالهم في سبيل اللّه، و بتوطين أنفسهم علي الجهاد في طاعة اللّه.
يقال: شريت بمعني بعت. و اشتريت: ابتعت. و يشرون: يبيعون- في قول الحسن، و السدي، و إبن زيد، و جميع أهل اللغة-. قال يزيد بن مفرغ:
و شريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامة
و برد اسم غلامه. و شريته بمعني بعته. و في الآية حذف. و التقدير يشرون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. كأنه قال: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية.
و يجوز يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة، ثم قال: «وَ مَن يُقاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقتَل أَو يَغلِب».
فالوعد علي القتال، لا علي القتل، و الغلبة. و قوله: «فيقتل» عطف علي يقاتل. و لذلك جزمه و الجواب قوله: «فسوف نؤتيه» و إنما قال: أو يغلب، لأن الوعد علي القتال حتي ينتهي إلي تلك الحال، لأنه أعظم الجهاد. و عليه أعظم الأجر.