تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١
ارتفاع يقال أصعدنا من مكة إذا ابتدأنا السفر منها و كذلك أصعدنا من الكوفة إلي خراسان علي قول الفراء، و المبرد، و الزجاج. و وجه ذلک أن الإصعاد إبعاد في الإرض كالابعاد في الارتفاع، و علي ذلک تأويل «تُصعِدُونَ» أي أصعدوا في الوادي يوم أحد عن قتادة، و الربيع. و قال إبن عباس و الحسن انهم صعدوا في أحد في الجبل فراراً، فيجوز أن يکون ذلک بعد أن أصعدوا في الوادي. و قوله «وَ لا تَلوُونَ عَلي أَحَدٍ» معناه لا تعرجون علي أحد. و قوله: «وَ الرَّسُولُ يَدعُوكُم فِي أُخراكُم»
قال إبن عباس و السدي، و الربيع: إن النبي (ص) کان يدعوهم، فيقول: ارجعوا أي عباد اللّه ارجعوا أنا رسول اللّه.
و قوله: «فَأَثابَكُم غَمًّا بِغَمٍّ» في معناه قولان:
أحدهما- إنه إنما قيل في الغم ثواب، لأن أصله ما يرجع من الجزاء علي الفعل طاعة کان أو معصية ثم كثير في جزاء الطاعة کما قال الشاعر:
و اراني طرباً في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل
فعلي هذا يکون الغم عقوبة لهم علي فعلهم، و هزيمتهم. و الثاني- أن يکون وضع الشيء مكان غيره کما قال «فَبَشِّرهُم بِعَذابٍ أَلِيمٍ»[١] أي ضعه موضع البشارة، کما قال الشاعر:
أخاف زياداً أن يکون عطاؤه أداهم سودا او محدرجة سمرا[٢]
أراد بقوله سودا قيودا. و قيل في معني قوله: «غَمًّا بِغَمٍّ» قولان:
أحدهما- غماً علي غم، کما يقال: نزلت ببني فلان و علي بني فلان. و قال قتادة، و الربيع: الغم الأول: القتل و الجراح. و الثاني: الإرجاف بقتل محمّد (ص).
و القول الثاني- غماً بغم أي مع غم کما يقال: ما زلت بزيد حتي فعل أي
[١] سورة الأنبياء: ٣، و التوبة آية: ٣٥، و الانشقاق آية: ٢٤.
[٢] قائله الفرزدق. ديوانه: ٢٢٧، و النقائض: ٦١٨ و طبقات فحول الشعراء:
٢٥٦، و تاريخ الطبري ٦: ١٣٩، و معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٩. و رواية مختلفة. و في أغلب المصادر هكذا:
و لما خشيت أن يکون عطاؤه ....