تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٠
القراءة و النزول:
في الكوفي جعلوا (السبيل) آخر الأولي. و آية واحدة في غير الكوفي.
ذكر إبن عباس، و قتادة، و عكرمة: أن الآية نزلت في قوم من اليهود، و كانوا يستبدلون الضلالة بالهدي، لتكذيبهم بالنبي (ص) بدلا من التصديق به، مع قيام الحجة عليهم بما ثبت من صفته عندهم، فكأنهم اشتروا الضلالة بالهدي.
و قال أبو علي الجبائي، و غيره: كانت اليهود تعطي أحبارها كثيراً من أموالهم علي ما كانوا يصفونه لهم، فجعل ذلک اشتراء منهم. و قال الزجاج: كانوا يأخذون الرشا.
المعني:
و وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التأكيد للأحكام الّتي يجب العمل بها، بالتحذير ممن يدعو إلي خلافها، و يكذب بها. و قوله: «أَ لَم تَرَ» قال الزجاج، معناه: أ لم تخبر في جميع القرآن! و قال غيره: أ لم تعلم! و قال الرماني، معناه: رؤية البصر، و المرئي هو الدين، و إنما دخلت (إلي)، لأن الكلام يتضمن معني التعجب، كقولك: أ لم تر إلي زيد ما أكرمه! تقديره: أ لم تر عجباً بانتهاء رؤيتك إلي زيد!
ثم بين ذلک بقوله: ما أكرمه، و مثله قوله: «أَ لَم تَرَ إِلي رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ»[١].
كأنه قال: أ لم تر عجباً بانتهاء رؤيتك إلي تدبير ربك كيف مد الظل! قال:
و من فسره علي: أ لم تخبر، أ لم تعلم، فإنما ذهب إلي ما يؤول المعني إليه، لأن الخبر و العلم لا يصلح فيهما (إلي) کما يصلح مع الرؤية. و قوله: «وَ يُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ» معناه: يريد هؤلاء اليهود أن تضلوا: معشر المؤمنين، أي تزلوا عن قصد الطريق، و محجة الحق فتكذبوا بمحمد فتكونون ضلالا، و في ذلک تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحداً من أعداء الإسلام في شيء من أمورهم لدينهم و دنياهم، ثم
[١] سورة الفرقان: آية ٤٥.