تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٩٨
الاقتران، و منه قرن الثور لاقتران بعض ببعض، و القرن أهل العصر من النّاس، و قرنة الشيء حرفه، و القرن المقاوم في الحرب، «وَ ما كُنّا لَهُ مُقرِنِينَ»[١] أي مطيقين، و القرين الصاحب المألوف. قال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل و أبصر قرينه فان القرين بالمقارن يقتدي[٢]
و يمكن الإنسان الانفكاك من مقارنة الشيطان بالمخالفة له، فلا يعتد بالمقارنة.
و قال أبو علي: لا يمكن ذلک، لأنه يقرن به الشيطان في النار فلا يمكنه الانفكاك منه، و قوله: «فَساءَ قَرِيناً» نصب علي التفسير، كقوله: «ساءَ مَثَلًا»، و تقديره:
ساء مثلا مثل الّذين و تقول: نعم رجلا، و تقديره نعم الرجل رجلا.
قوله تعالي: [سورة النساء (٤): آية ٣٩]
وَ ما ذا عَلَيهِم لَو آمَنُوا بِاللّهِ وَ اليَومِ الآخِرِ وَ أَنفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَ كانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً (٣٩)
- آية واحدة بلا خلاف-.
المعني و الاعراب:
معني قوله: «وَ ما ذا عَلَيهِم ...» الآية الاحتجاج علي المتخلفين عن الايمان باللّه و اليوم الآخر بما عليهم فيه و لهم، و ذلک أنه يجب علي الإنسان أن يحاسب نفسه فيما عليه و له، فإذا ظهر له ما عليه في فعل المعصية من استحقاق العقاب اجتنبها، و ما له في تركها من استحقاق الثواب عمل في ذلک من الاختيار له، أو الانصراف عنه. و في ذلک دلالة علي بطلان قول المجبرة في أن الكافر لا يقدر علي الايمان، لأن الآية نزلت علي أنه لا عذر للكفار في ترك الايمان، و لو كانوا غير قادرين لكان فيه أوضح العذر لهم، و لما جاز أن يقال: «وَ ما ذا عَلَيهِم لَو آمَنُوا بِاللّهِ» لأنهم لا يقدرون عليه، کما لا يجوز أن يقال لأهل النار: ما ذا عليهم لو خرجوا منها
[١] سورة الزخرف: آية ١٣.
[٢] ديوانه في شعراء الجاهلية: ٤٦٦، و قد شاعت روايته علي ألسن النّاس:
عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه || فكل قرين بالمقارن يقتدي