تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٨٠
مثله قوله: «مَثَلًا ما بَعُوضَةً»[١] و فيه القولان. و التقدير فبنقض هؤلاء الّذين وصفهم من اهل الكتاب و ميثاقهم يعني عهودهم الّتي عاهدوا اللّه عليها أن يعملوا بما في التوراة «وَ كُفرِهِم بِآياتِ اللّهِ» يعني جحودهم بآيات اللّه. و هي اعلامه، و أدلته الّتي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه، و رسله «وَ قَتلِهِمُ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ» يعني و قتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بصدقهم بغير حق يعني بغير استحقاق منهم، لكبيرة أتوها و لا خطيئة استوجبوا بها القتل. و قتل الأنبياء، و ان کان لا يکون إلا بغير حق، فإنما اكده بقوله: «بِغَيرِ حَقٍّ» و معناه ما قدمنا القول فيه أنه لا يکون ذلک إلا بغير حق، کما قال: «وَ مَن يَدعُ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرهانَ لَهُ بِهِ» و المعني إن هذا لا يکون عليه برهان. و مثله قول الشاعر:
علي لا حب لا يهتدي بمناره[٢]
و انما أراد لا منارها هناك يهتدي به. و قد استوفينا ما في ذلک فيما مضي «وَ قَولِهِم قُلُوبُنا غُلفٌ» تقديره يقولون: قلوبنا عليها غشاوة و أغطية لا نفقه ما تقول، و لا نعلق له، فاكذبهم اللّه في ذلک و قال الفراء و الزجاج: معناه قلوبنا أوعية للعلم لا نفقة ما تقول. و قد بينا معني الغلف فيما مضي. قوله: «بَل طَبَعَ اللّهُ عَلَيها بِكُفرِهِم» و المعني كذبوا في قولهم قلوبنا غلف ما هي بغلف، و لا عليها اغطية، بل طبع اللّه عليها بكفرهم. و قد بينا معني الطبع فيما مضي. و هو أنه السمة و العلامة و سم اللّه تعالي و علّم علي قلوب من الكفار الّذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون فيما بعد، و جعل ذلک عقوبة لهم علي كفرهم ألذي ارتكبوه في الحال تعرفه الملائكة. و قوله: «فَلا يُؤمِنُونَ إِلّا قَلِيلًا» معناه فلا يصدقون الا تصديقا قليلا. و إنما وصفه بالقلة لأنهم لم يصدقوا علي ما أمرهم اللّه به لكن صدقوا ببعض الأنبياء، و بعض الكتب و كذبوا بالبعض، فكان تصديقهم بما صدقوا به قليلا، لأنهم و ان صدقوا به من وجه، فهم يكذبون به من وجه آخر. و يجوز
[١] سورة البقرة، آية ٢٦.
[٢] انظر ا: ١٨٩- ٢٧٩- ٤٤٤.