تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٢
و استدلت الخوارج علي بطلان الرجم بهذه الآية، قالوا: لما قال اللّه تعالي:
«فَعَلَيهِنَّ نِصفُ ما عَلَي المُحصَناتِ مِنَ العَذابِ»، و کان الرجم لا يمكن تبعيضه، دل علي أنه لا أصل له، و علي ما بيناه من أن المراد فعليهن نصف ما علي الحرائر، دون ذوات الأزواج، يسقط هذا السؤال. و يدل علي أن الإحصان يعبر به عن الحرية زائداً علي ما تقدم، قوله في أول الآية: «وَ مَن لَم يَستَطِع مِنكُم طَولًا أَن يَنكِحَ المُحصَناتِ المُؤمِناتِ فَمِن ما مَلَكَت أَيمانُكُم» و لا شك أنه أراد الحركة أو العفائف، لأن الّتي لها زوج لا يمكن العقد عليها، وجد طولها أو لم يجد، و قوله:
«وَ الَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَناتِ» يدل عليه أيضاً لأن المراد به المسلمة الحرة، سواء كانت ذات زوج أو لم تكن، بلا خلاف. و الرجم معلوم من دين المسلمين بالتواتر فإنهم لا يختلفون
أنه (ص) رجم ما عز بن مالك الأسلمي، و رجم يهودياً و يهودية
، و عليه جميع الفقهاء من عهد الصحابة إلي يومنا هذا، فخلاف الخوارج لا يلتفت إليه. و في النّاس من قال: إن قوله: «أَن يَنكِحَ المُحصَناتِ» المراد به الحرائر دون أن يکون مختصاً بالعفائف، لأنه لو کان مختصاً بالعفائف لما جاز العقد علي من ليس كذلك، لأن قوله: «الزّانِي لا يَنكِحُ إِلّا زانِيَةً أَو مُشرِكَةً» إلي قوله: «وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَي المُؤمِنِينَ»[١] منسوخ بالإجماع، و بقوله: «فَانكِحُوا ما طابَ»[٢] و بقوله: «وَ أَنكِحُوا الأَيامي»[٣] و يمكن أن يخص بالعفائف علي الأفضل دون الوجوب، و قوله: (فعليهن) معناه لازم لهن نصف ما يلزم المحصنات، دون أن يکون ذلک واجباً عليهن، و قوله: «وَ أَن تَصبِرُوا» في موضع رفع، و التقدير و الصبر عن نكاح الأمة خير لكم. و في الآية تقديم و تأخير، لأن التقدير: «و من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم» أي فلينكح مما ملكت أيمانكم «من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض و الله أعلم بايمانكم» ذكره الطبري و هو جيد مليح.
[١] سورة النور: آية ٣.
[٢] سورة النساء: آية ٣.
[٣] سورة النور: آية ٣.