تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١١
بين تعالي أنه أعلم منكم بعداوة اليهود لكم أيها المؤمنون، فانتهوا إلي طاعتي، و امتثال أوامري فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، فاني أعلم بباطنهم منكم، و ما هم عليه من الغش، و الحسد، و العداوة. و قيل: معناه: و اللّه يجازيهم علي عداوتهم، كقولك: إني أعلم ما تفعل أي اجازيك عليه.
و قوله: «وَ كَفي بِاللّهِ وَلِيًّا وَ كَفي بِاللّهِ نَصِيراً» معناه: إن ولاية اللّه لكم، و نصرته إياكم، تغنيكم عن غيره من هؤلاء اليهود و من جري مجراهم، ممن تطمعون في نصرته. و دخلت الباء في قوله: «باللّه» لأحد أمرين:
أحدهما- للتأكيد، لأن الاسم في «كَفَي اللّهُ» کان يتصل اتصال الفاعل، فلما دخلت الباء صار يتصل اتصال المضاف و اتصال الفاعل، ليعلم أن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره في المرتبة، و عظم المنزلة، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها.
الثاني- لأنه دخله معني: اكتفوا باللّه، ذكره الزجاج، و موضعه رفع بلا خلاف.
اللغة:
و العداوة و الابعاد من حال النصرة، و ضدها الولاية، و هي التقرب من حال النصرة، و أما البغض فهو إرادة الاستخفاف و الاهانة، و ضده المحبة و هي إرادة الإعظام و الكرامة. و الكفاية بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، كفي يكفي كفاية فهو كاف، و الاكتفاء الاجتزاء بشيء دون شيء، و مثله الاستغناء، و النصرة الزيادة في القوة للغلبة، و مثلها المعونة، و ضدها الخذلان، و لا يکون ذلک إلا عقوبة، لأن منع المعونة مع الحاجة عقوبة.
قوله تعالي: [سورة النساء (٤): آية ٤٦]
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعنا وَ عَصَينا وَ اسمَع غَيرَ مُسمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلسِنَتِهِم وَ طَعناً فِي الدِّينِ وَ لَو أَنَّهُم قالُوا سَمِعنا وَ أَطَعنا وَ اسمَع وَ انظُرنا لَكانَ خَيراً لَهُم وَ أَقوَمَ وَ لكِن لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفرِهِم فَلا يُؤمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (٤٦)