تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥٥
تعالي أولي بهما و أحق، لأنه مالكهما و إلههما دونكم و هو اعلم بما فيه مصلحة کل واحد منهما في ذلک، و في غيره من الأمور كلها منكم، فلا تتبعوا الهوي في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني أو فقير الي أحدهما، فتعدلوا عن الحق أي تجوزوا عنه و تضلوا و لكن قوموا بالقسط، و أدوا الشهادة علي ما أمركم اللّه عز و جل بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه و له، فان قيل كيف تكون شهادة الإنسان علي نفسه حتي يأمر اللّه تعالي بذلك، قلنا: بان يکون عليه حق لغيره، فيقر له و لا يجحده، فأدب اللّه تعالي المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الّذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا:
و خيانتهم ما خانوا و اضافتهم ذلک الي غيرهم فهذا اختيار الطبري. و قال السدي: انها نزلت في النبي (ص) و قد اختصم اليه رجلان غني و فقير، فكان ضلعه مع الفقير، لظنه أن الفقير لا يظلم الغني، فاني اللّه تعالي إلا القيام بالقسط في أمر الغني و الفقير قال: «إِن يَكُن غَنِيًّا أَو فَقِيراً فَاللّهُ أَولي بِهِما» و هذا الوجه فيه بعد، لأنه لا يجوز علي النبي (ص) في الحكم ان يميل إلي احد الخصمين سواء کان غنياً أو فقيراً فان ذلک ينافي عصمته و قال إبن عباس: أمر اللّه سبحانه المؤمنين أن يقولوا الحق و لو علي أنفسهم، او أبنائهم، و لا يجابوا غنياً لغناه، و لا مسكيناً لمسكنته و هذا هو الاولي، لأنه أليق بالظاهر من غير عدول عنه. و في الاية دلالة علي جواز شهادة الوالد لولده و الولد لوالده، و کل ذي قرابة لمن يقرب منه، فقال إبن شهاب: کان سلف المسلمين علي ذلک حتي دخل النّاس فيما بعدتهم، و ظهرت فيهم امور حملت الولاة علي اتهامهم، فتركت شهادة من يتم إذا کان من اقربائهم و جاز ذلک من الولد و الوالد و الأخ و الزوج و المرأة و بمعني قول إبن عباس، قال قتادة، و إبن زيد.
و قوله: «فَاللّهُ أَولي بِهِما» إنما ثني، و لم يقل به لأنه أراد (فاللّه اولي بغناء الغني و فقر الفقير) لان ذلک منه تعالي و قال قوم: لم يقصد غنياً بعينه، و لا فقيراً بعينه