تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٣
النعاس، و من أنث أراد الامنة، و مثله «أَ لَم يَكُ نُطفَةً مِن مَنِيٍّ يُمني»[١] «و إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأَثِيمِ كَالمُهلِ يَغلِي»[٢] بالتاء، و الياء. و قرأ أبو عمرو، وحده «إِنَّ الأَمرَ كُلَّهُ» بالرفع. الباقون بالنصب، و وجه الرفع أنه علي الابتداء، کما قال: «وَ كُلٌّ أَتَوهُ داخِرِينَ»[٣] و يکون (للّه) خبره، لأنه لما وقع الأمر في الجواب اديت صورته في الاسم ثم جاءت الفائدة في الخبر، و لأنه نقيض بعض، فكما يجوز الرفع في (بعض) يجوز في (کل) نحو إن الأمر بعضه لزيد. و النصب علي أنه تأكيد للأمر «و امنة» منصوب، لأنه مفعول به، و نعاساً بدلا منه، و النعاس هو الامنة.
و هذه الأمنة الّتي ذكرها اللّه في هذه الآية نزلت يوم أحد في قول عبد الرحمن إبن عوف و أبي طلحة، و الزبير بن العوام، و قتادة، و الربيع، و کان السبب في ذلک توعد المشركين لهم بالرجوع، فكانوا تحت الجحف متهيئين للقتال فأنزل اللّه تعالي الأمنة علي المؤمنين، فناموا دون المنافقين الّذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا علي المدينة لسوء الظن، فطير عنهم النوم علي ما ذكره إبن إسحاق و إبن زيد، و قتادة، و الربيع. و قوله: «يَغشي طائِفَةً مِنكُم» يعني النعاس يغشي المؤمنين «وَ طائِفَةٌ قَد أَهَمَّتهُم» الفراء علي الرفع. و الواو واو الحال كأنه قال: يغشي النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم. و رفعه بالابتداء، و الخبر يظنون، و يصلح أن يکون الخبر «قَد أَهَمَّتهُم أَنفُسُهُم» و الجملة في موضع الحال. و لا يجوز النصب علي أن يجعل واو العطف کما تقول ضربت زيداً و عمراً كلمته. و التقدير و أهمت طائفة أهمتهم أنفسهم.
المعني:
و قوله: (يَقُولُونَ هَل لَنا مِنَ الأَمرِ مِن شَيءٍ) قيل في معناه قولان:
[١] سورة القيامة آية: ٢٧.
[٢] سورة الدخان: ٤٣- ٤٥.
[٣] سورة النمل آية: ٨٧.