تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٩٩
ما لم يكن يليه. و لو قلت علمت أن يقول لم يجز حتي يأتي بما يکون عوضاً نحو (قد) و (لا) و السين و سوف، کما قال «عَلِمَ أَن سَيَكُونُ» و لا يدخل علي ذلک قوله: «وَ أَن لَيسَ لِلإِنسانِ إِلّا ما سَعي»[٦] فلم يدخل بين (أن) و (ليس) شيء لأن (ليس) ليس بفعل علي الحقيقة. و أما (فتنة) فلو نصب لكان صحيحاً في العربية علي تقدير: أن لا يکون قولهم فتنة.
و لكن لم يقرأ به أحد. قال الرماني: وحد الحسبان هو قوة أحد النقيضين في النفس علي الآخر و أصله الحساب، فالنقيض القوي يحتسب به دون الآخر أي هو فيما يحتسب و لا يطرح و منه الحسب لأنه مما يحسب و لا يطرح لأجل الشرف و منه قولهم: حسبك أي يكفيك، لأنه بحساب الكفاية و منه احتساب الأجر، لأنه فيما يحتسب و يكفي.
و الفتنة ها هنا العقوبة. و قيل البلية- في قول السدي و قتادة و الحسن و مجاهد- و قيل: الشدة. و کل ذلک متقارب. و قال إبن عباس: الفتنة- ها هنا- الشرك. و أصل الفتنة الاختبار، و منه افتتن بفلانة إذا هواها، لأنه يظهر ما يطوي من خبره بها. و فتنت الذهب في النار إذا خلصته ليظهر خبره في نفسه متميزاً من شائب غيره. و قوله «يَومَ هُم عَلَي النّارِ يُفتَنُونَ»[١] أي يحرقون. فإذا هم خبث كلهم «وَ فَتَنّاكَ فُتُوناً»[٢] أي اختبرناك اختباراً أي ليظهره خبرك علي خلوص أمرك في طاعتك أو غير ذلک من حالك.
و قوله «فَعَمُوا وَ صَمُّوا» معناه عن الحق علي وجه التشبيه بالأعمي
[٦] سورة النجم آية ٣٩.
[١] سورة الذاريات آية ١٣.
[٢] سورة ٢٠ طه آية ٤٠.