تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٠
الحسن و إبن جريج و الضحاك، و أكثر المفسرين. فان قيل: لم جمع بين الزبر و الكتاب و معناهما واحد! قلنا: لأن أصلهما مختلف، فهو زبور لما فيه من الزجر عن خلاف الحق، و هو كتاب، لأنه ضم الحروف بعضها إلي بعض، و سمي زبور داود لكثرة ما فيه من المواعظ و الزواجر. فان قيل: كيف قال «فَإِن كَذَّبُوكَ، فَقَد كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبلِكَ» و هم و ان لم يكذبوه أيضاً، فقد كذب رسل من قبله!
قلنا: لأن المعني فقد جروا علي عادة من قبلهم في تكذيب أنبيائهم إلا أنه ورد علي وجه الإيجاز کما تقول: إن أحسنت إليّ فقد طالما أحسنت.
قوله تعالي: [سورة آلعمران (٣): آية ١٨٥]
كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ وَ إِنَّما تُوَفَّونَ أُجُورَكُم يَومَ القِيامَةِ فَمَن زُحزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فازَ وَ مَا الحَياةُ الدُّنيا إِلاّ مَتاعُ الغُرُورِ (١٨٥)
- آية بلا خلاف-.
لا يجوز أن يجعل (ما) في (إنما) بمعني ألذي و ترفع أجوركم، لأن يوم القيامة يصير من صلة توفون و توفون من صلة الّذين فلا يأتي ما في الصلة بعد أجوركم. و أجوركم خبر، و معني الآية إن مصير هؤلاء المفترين علي اللّه من اليهود المكذبين برسوله الّذين وصفهم، و مصير غيرهم من جميع الخلق إليه تعالي من حيث حتم الموت علي جميعهم، فقال لنبيه (ص) لا يحزنك قولهم و تكذيبهم و افتراء من افتري منهم علي اللّه و عليك، و تكذيب من تقدمك من الرسل. فان مرجعهم إلي و أوفي کل نفس منهم جزاء عمله، فقال: توفون أجوركم يعني أجور أعمالكم إن خيراً فخيراً و ثواباً. و إن شراً فشراً و عقاباً، و هو نصب علي أنه مفعول به.
و قوله: «فَمَن زُحزِحَ عَنِ النّارِ» معناه نحي عن النار، و أبعد منها «وَ أُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فازَ» أي نجا و ظفر بعظيم الكرامة. و کل من لقي ما يغتبط به فقد فاز، و معني «فاز» تباعد من المكروه، و لقي ما يجب. و المفازة: مهلكة. و إنما سموها مفازة