تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧١
أي منجاة کما سموا اللديغ سيما، و الأعمي بصيراً. و ظاهر الآية يدل علي أن کل نفس تذوق الموت، و إن كانت مقتولة- علي قول الرماني- و نحن و إن قلنا: إن الموت غير القتل، فلا بد أن نقول: إن المقتول يختار اللّه أن يفعل فيه الموت إذا کان في فعله مصلحة. و قوله: «وَ مَا الحَياةُ الدُّنيا إِلّا مَتاعُ الغُرُورِ» معناه و ما لذات الدنيا، و شهواتها، و ما فيها من زينتها إلا متعة متعكموها الغرور، و الخداع:
المضمحل ألذي لا حقيقة له عند الاختبار و الامتحان، لأنكم تلتذون بما يمتعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع و المصائب، فلا تركنوا إليه، و لا تسكنوا، فإنما هي غرور و إنما أنتم منها في غرور. و قال عكرمة: متاع الغرور، القوارير، و هي في الأصل کل متاع لا بقاء له، و إنما وصفت الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور مع كشفها عن حالها، لأنها بمنزلة من يغتر بالمحبوب و يبذل ما فيه الفرح و السرور، ليوقع في بلية تؤدي إلي هلكة، مبالغة في التحذير منها- علي ما بيناه- و في الآية دلالة علي أن أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا بأسره و لذلك
قال (ص): (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا، و ما فيها)
و استدل بهذه الآية علي أن القتل هو الموت علي الحقيقة. و منه من قال في المقتول: موت، و قتل و للمخالف أن يقول: يمكن أن تكون الآية مخصوصة بمن يموت، و لا يقتل کما قال: «كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت رَهِينَةٌ»[١] و هي مختصة بالعقلاء البالغين، و يمكن أن يکون المراد کل نفس تعدم الحياة، فيكون ذلک علي وجه الاستعارة. ذكره البلخي. و قوله: «ذائِقَةُ المَوتِ» مجاز، لأن الموت لا يذاق في الحقيقة، لأن ذلک مشهور في كلامهم يقولون: ذاق الموت، و شرب بكأس المنون، لأنه بمنزلة ما يذاق بذوق شدائده. و الفرق بين الذوق و إدراك الطعم أن الذوق تقريب جسم المذوق إلي حاسة الذوق، و الإدراك للطعم هو وجدانه[٢] و إن لم يكن هناك احساس، و لذلك يوصف تعالي بأنه مدرك للطعم و لا يوصف
[١] سورة المدثر: آية ٣٨.
[٢] في المخطوطة: (هو وجدك به ...)