تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٤٢
السماء من جبال فيها من برد أي من السماء من برد يجعل الجبال من برد في السماء و يجعل الانزال منها و أنكر قوم ذلک و قالوا (من) للتبعيض و يقوي قولهم: قد کان من مطر و کان من حديث. يقول هل کان من مطر، و هل کان من حديث:
عندكم و نكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاؤه و يريده. و قوله: «وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ» يجيز حذف (من) برد و لا يجيز حذفها من الجبال. و يقول:
المعني و ينزل من السماء من أمثال جبال برداً، ثم أدخلت في من البرد مفسر عنده عن أمثال الجبال. و قد أقيمت الجبال مقام الأمثال. و الجبال هي جبال فلا يجيز حذف (من) من الجبال، لأنها دالة علي أن في السماء ألذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد، لا جبال برد. و أجاز حذف (من) من برد، لان البرد مفسر من الأمثال، کما يقال: عندي رطلان زيتاً، و من زيت. و ليس عندك الرطلان و انما عندك المقدار، فمن تدخل في المفسر و تخرج منه، و كذلك عند هذا القائل من السماء من أمثال جبال، و ليس بجبال. و قال: فان کان أنزل من جبال في السماء من برد جبالًا، ثم حذف الجبال الثانية فالجبال الأولي في السماء جاز کما يقال: أكلت من الطعام يريد أكلت من الطعام طعاماً، ثم يحذف الطعام، و لا يحذف (من). و الأقوي أن تكون من في الآية للتبعيض، لان ما يمسكه الكلب من الصيد، لا يجوز أكل جميعه لان في جملته ما هو حرام من الدم، و الفرث و الغدد، و غير ذلک مما لا يجوز أكله، فإذا قال: فكلوا مما أمسكن عليكم، أفاد ذلک بعض ما أمسكن، و هو ألذي أباح اللّه أكله من اللحم، و غيره. و قوله: «نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئاتِكُم» قد بينا الوجه فيه و سنبين الوجه في قوله: «مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ» إذا انتهينا اليه ان شاء اللّه.
و قوله: «وَ اذكُرُوا اسمَ اللّهِ عَلَيهِ» صريح في وجوب التسمية عند الإرسال.
و هو قول إبن عباس و السدي و غيرهما. و قوله: «وَ اتَّقُوا اللّهَ» معناه و اجتنبوا ما نهاكم عنه، فلا تقربوه، و احذروا معاصيه في ارتكاب ما نهاكم عنه في أن تأكلوا من صيد الكلب غير المعلم، أو مما لم يمسكه عليكم، أو تأكلوا مما لم يسمّ