تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧
قوله تعالي: [سورة آلعمران (٣): آية ١٦٣]
هُم دَرَجاتٌ عِندَ اللّهِ وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِما يَعمَلُونَ (١٦٣)
المعني:
قيل معني قوله: «هُم دَرَجاتٌ عِندَ اللّهِ» أن تقديره المؤمنون ذووا درجة رفيعة عند اللّه. و الكفار ذووا درجة خسيسة. و قيل في معناه قولان:
أحدهما- اختلاف مراتب کل فريق من أهل الثواب، و العقاب، لأن النار أدراك لقوله: «إِنَّ المُنافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النّارِ»[١] و الجنة طبقات بعضها أعلي من بعض، کما
روي٢» أن أهل الجنة ليرون أهل عليين«، کما يري النجم في أفق السماء.
و الثاني- اختلاف مرتبتي أهل الثواب، و العقاب بما لهؤلاء من النعيم، و الكرامة و لأولئك من العذاب و المهانة. و عبر عن ذلک بدرجات مجازاً. فان قيل كيف قال: «هم درجات» و انما لهم درجات قيل، لأن اختلاف أعمالهم قد ميزهم بمنزلة المختلفي الذوات كاختلاف مراتب الدرجات لتبعيدهم من استواء الأحوال، فجاء هذا علي وجه التجوز، کما قال إبن هرمة- أنشده سيبويه-:
أنصب للمنية تعتريهم رجالي أم هم درج السيول[٣]
و قوله: (وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِما يَعمَلُونَ) معناه عليم. و فيه تحذير من أن يتكل علي الاسرار في الأعمال ظناً بأن ذلک يخفي علي اللّه، لأن أسرار العباد عند الله علانية. و فيه توثيق بأنه لا يضيع للعامل لربه شيء لأنه لا يخفي عليه جميعه.
[١] سورة النساء: آية ١٤٤.
[٢] في المخطوطة (أ) کما
روي أن أهل الجنة ليرون أهل النار يطلعون عليهم فيرونهم کما يري النجم في أفق السماء.
و الأصح ما في المطبوعة.
[٣] سيبويه ١: ٢٠٦، و اللسان (درج) و مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٧ و الخزانة ١: ٢٠٣ و قد رواه بعضهم:
أ رجما للمنون يکون قومي || لريب الدهر أم درج السيول