تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٩
يقطع بها الاعمال. و في تخصيص المؤمن بذكر هذه النعمة و إن كانت نعمة علي جميع المكلفين قيل فيه من حيث أنها علي المؤمنين أعظم منها علي الكافرين، لأنها نعمة عليهم من حيث هي نفع في نفسها. و فيما يؤدي إليه من الايمان بها، و العمل بما توجبه أحكامها، فالمؤمن يستحق اضافتها إليه من وجهين، لما بيناه من حالها، و نظائر ذلک قد بيناه مثل قوله: «هُديً لِلمُتَّقِينَ» و غير ذلک و إنما أضافه إلي المتقين من حيث أنهم المنتفعون بها دون غيرهم. و قوله: «إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم» قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها- من أنفسهم ليكون ذلک شرفا لهم، فيكون ذلک داعياً لهم إلي الايمان.
الثاني- من أنفسهم، لسهولة تعلم الحكمة عليهم، لأنه بلسانه.
الثالث- من أنفسهم، ليتيسر عليهم علم أحواله من الصدق و الأمانة و العفة و الطهارة. و قال الزجاج: منّ عليهم إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم من الأميين، لا يتلو كتاباً و لا يخط بيمينه، فنشأ بين قوم يخبرونه و يعرفونه بالصدق و الأمانة و أنه لم يقرأ كتاباً و لا لقنه، فتلا عليهم أقاصيص الأمم السالفة، فكان ذلک من أدل دليل علي صفقة فيما أتي به. و قوله: «يَتلُوا عَلَيهِم آياتِهِ» معناه يقرأ عليهم ما أنزله عليه من آيات القرآن «وَ يُزَكِّيهِم» يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها- يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين، فيصيروا بهذه المنزلة الرفيعة في الخلق.
الثاني- يدعوهم إلي ما يكونون به زاكين سالكين سبيل المهتدين.
الثالث: قال الفراء يأخذ منهم الزكاة الّتي يطهرهم بها. و قوله: (وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَ الحِكمَةَ) يعني القرآن، و هو الحكمة. و إنما كرره بواو العطف لأمرين:
أحدهما- قال قتادة: الكتاب القرآن، و الحكمة السنة.
و الثاني: لاختلاف فائدة الصفتين، و ذلک أن الكتاب ذكر للبيان أنه مما يكتب و يخلد ليبقي علي الدهر، و الحكمة و البيان عما يحتاج إليه من طريق المعرفة.