تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨٩
النفي قد دخل في قوله: «لا أضيع» و قال قوم: من هاهنا ليست زائدة، لأنها دخلت لمعني و لا يصلح الكلام إلا بها، لأنها للترجمة و التفسير عن قوله: «منكم» بمعني لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور و الإناث، قالوا و لا تكون من زائدة إلا في موضع جحد. و قوله: (لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُم) لم يدركه الجحد لأنك لا تقول لا أضرب غلام رجل في الدار، و لا في البيت، فيدخل و لا، لأنه لم ينله الجحد و لكن (من) مفسرة. و قوله: «لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئاتِهِم» معناه لأذهبنها و اسقط عقابها، و هذه الآية، و الّتي قبلها- في قول البلخي- نزلت في المتبعين للنبي (ص) و المهاجرين معه ثم هي في جميع من سلك سبيلهم و اتبع آثارهم من المسلمين. و قوله:
«لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئاتِهِم» أي لأغطينها و أ محونها و أحطنها عنهم بما ينالهم من ألم الهجرة و الجهاد و احتمال تلك الشدائد في جنب اللّه. و حمل السيئات علي الصغائر.
و قوله: «ثَواباً مِن عِندِ اللّهِ» نصب علي المصدر ذكر علي وجه التأكيد، لأن معني «وَ لَأُدخِلَنَّهُم جَنّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ»[١] لأثيبنهم، و مثله «كِتابَ اللّهِ عَلَيكُم» لأن قوله: «حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهاتُكُم وَ بَناتُكُم»[٢] معناه كتب اللّه عليكم «و كتاب الله عليكم» مؤكد و مثل ذلک «صُنعَ اللّهِ الَّذِي»[٣] لأن قوله: «وَ تَرَي الجِبالَ تَحسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ»[٤] قد علم منه أن ذلک صنع اللّه. و قوله: «مِن ذَكَرٍ أَو أُنثي»
روي انه قيل لرسول اللّه (ص):
ما بال الرجال يذكرون، و لا تذكر النساء في الهجرة، فأنزل اللّه هذه الآية
روي ذلک عن مجاهد، و عمرو بن دينار، و يقال ان القائل لرسول اللّه (ص) كانت أم سلمة (رض). و قوله: «بَعضُكُم مِن بَعضٍ» قال أبو علي: يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يريد بقوله: «بعضكم» العاملين «من بعض» يعني بعض العمل ألذي أمرتم به.
[١] سورة المائدة: آية ١٣.
[٢] سورة النساء: آية ٢٢.
(٣، ٤) سورة النمل: ٨٨.