تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨٤
في هذه الآية أيضاً حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم أولوا الألباب و غير ذلک من الأوصاف الّتي مضت بأنهم يقولون: (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعنا مُنادِياً يُنادِي لِلإِيمانِ) و اختلفوا فيمن المنادي هاهنا، فقال محمّد بن كعب القرظي و قتادة: هو القرآن.
و قال إبن جريج و إبن زيد: هو رسول اللّه (ص)، و هو ألذي اختاره الجبائي، و اختار الطبري الأول قال: لأنه ليس کل أحد سمع قول النبي (ص) و لا رآه و لا عاينه و سمع دعاءه إلي اللّه تعالي. و القرآن سمعه من رآه و من لم يره کما قال تعالي مخبراً عن الجن انهم قالوا: (سَمِعنا قُرآناً عَجَباً يَهدِي إِلَي الرُّشدِ) و هذا ألذي ذكره ليس بطعن، لأنه إذا بلغه دعوة النبي (ص) جاز أن يقول (سَمِعنا مُنادِياً) و إن کان فيه ضرب من التجوز، و قال قتادة سمعوا دعوة من اللّه فأجابوها و أحسنوا فيها و صبروا عليها. و قوله: (سَمِعنا مُنادِياً) يعني نداء مناد لأن المنادي لا يسمع و قوله: (للايمان) معناه إلي الايمان، کما قال: (الحَمدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا)[١] و معناه إلي هذا قال الراجز:
أوحي لها القرار فاستقرت و شدها بالراسيات الثبت[٢]
يعني أوحي إليها. و منه قوله: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحي لَها)[٣] أي إليها، فمعني الآية (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعنا) داعياً يدعو إلي الايمان و التصديق بك، و الإقرار بوحدانيتك، و اتباع رسولك و اتباع أمره و نهيه، فصدقنا بذلك يا (رَبَّنا فَاغفِر لَنا ذُنُوبَنا) و معناه استرها علينا، و لا تفضحنا بها في القيامة علي رؤوس الاشهاد بعقوبتك، لكن كفرها عنا (وَ كَفِّر عَنّا سَيِّئاتِنا) معناه امحها بفضلك و رحمتك إيانا (وَ تَوَفَّنا مَعَ الأَبرارِ) معناه و اقبضنا إليك إذا قبضتنا في جملة الأبرار، و احشرنا معهم.
[١] سورة الاعراف: آية ٤٢.
[٢] انظر ٢: ٤٥٩ تعليقة ١.
[٣] سورة الزلزال: آية ٥.