تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٨٦
قدمه أي يأتيه الخير من کل جهة يلتمسه منها. و اختار الطبري الوجه الأول.
و قد جعل اللّه التقي من أسباب الرزق فقال «وَ مَن يَتَّقِ اللّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجاً وَ يَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ»[١] و قال «وَ لَو أَنَّ أَهلَ القُري آمَنُوا وَ اتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الأَرضِ»[٢] و قالبه «استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدراراً وَ يُمدِدكُم بِأَموالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجعَل لَكُم جَنّاتٍ وَ يَجعَل لَكُم أَنهاراً»[٣] و قال «وَ أَن لَوِ استَقامُوا عَلَي الطَّرِيقَةِ لَأَسقَيناهُم ماءً غَدَقاً»[٤].
و قوله «مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ» يعني من هؤلاء الكفار قوم معتدلون في العمل من غير غلو و لا تقصير. قال أبو علي: و هم الّذين أسلموا منهم، و تابعوا النبي (ص)، و هو المروي في تفسير أهل البيت.
و قال قوم: نزلت في النجاشي و أصحابه. و حكي الزجاج عن قوم أنهم قالوا: نزلت في قوم لم يناصبوا النبي (ص) مناصبة هؤلاء. و الأول أقوي، لأن اللّه تعالي لا يجوز أن يسمي الناصب مقتصداً بحال. و يحتمل أن يکون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبد اللّه، و لا يدعي فيه الالهية و النبوة.
و قال مجاهد: هم مسلمو أهل الكتاب. و به قال إبن زيد، و السدي.
و اشتقاق المقتصدين من القصد، لأنه القاصد الي ما يعرف، فكان خلاف الطالب المتحير في طلبه. و الاقتصاد الاستواء في العمل المؤدي الي الغرض. و قوله «وَ كَثِيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلُونَ» أخبار منه تعالي أن أكثر هؤلاء اليهود و النصاري. و يعملون الاعمال السيئة و هم الّذين يقيمون علي
[١] سورة ٦٥ الطلاق آية ٢- ٣.
[٢] سورة الاعراف آية ٩٥.
[٣] سورة نوح آية ١٠- ١٣
[٤] سورة الجن آية ١٦.