تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩٤
مِنَ المُتَّقِينَ»: معناه إنما يستحق الثواب علي الطاعات من يوقعها لكونها طاعة فاما إذا فعلها لغير ذلک فانه لا يستحق عليها ثواباً. فإذا ثبت ذلک، فلا يمتنع أن تقع من الفاسق يوقعها علي الوجه ألذي يستحق عليها الثواب فيستحق الثواب و لا تحابط عندنا بين ثوابه و ما يستحق عليه العقاب. و الاتقاء يکون لكل شيء يمتنع منه غير أنه لا يطلق اسم المتقين إلا علي المتقين للمعاصي خاصة بضرب من العرف، لأنه أحق ما يجب أن يخاف منه کما لا يطلق خالق إلا علي اللّه- عز و جل- لأنه أحق بهذه الصفة من کل فاعل، لان جميع أفعاله تقع علي تقدير و ترتيب و قوله: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ المُتَّقِينَ» يعني القرابين إنما
قوله تعالي: [سورة المائدة (٥): آية ٢٨]
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللّهَ رَبَّ العالَمِينَ (٢٨)
يتقبلها اللّه من الّذين يتقون معاصي اللّه خوف عقابه دون من لا يتقيها.
في هذه الآية إخبار عن ولد آدم المقتول، و هو هابيل أنه قال لأخيه حين هدَّده بالقتل لما تقبل قربانه و لم يتقبل قربان أخيه، فقال «لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ» و معناه لئن مددت إلي يدك. و البسط هو المد و هو ضدَّ القبض «لتقتلني» و معناه لأن تقتلني ما أنا باسط يدي اليك لأن أقتلك.
فان قيل لم قال ذلک و قد وجب بحكم العقل الدفع عن النفس و إن أدَّي إلي قتل المدفوع!؟ قلنا: عنه جوابان:
أحدهما- أن معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك لا علي أني لا أدفعك عن نفسي إذا قصدت قتلي هذا قول إبن عباس و جماعة، و قيل: إنه قتله غيلة بأن ألقي عليه و هو نائم صخرة شدخه بها.