تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٣٨
أكله في مخمصة متجانف، لإثم غفور لذنوبه أي ساتر عليه أكله، و يعفو عن مؤاخذته به، و ليس يريد أن يغفر له عقاب ذلک، لأنه اباحه له، فلا يستحق عليه العقاب و هو رحيم أي رفيق بعباده. لان رحمته و رفقه أنه أباح لهم أكل ما حرم عليهم في حال الخوف علي النفس و
روي المثني قال: قلنا يا رسول اللّه (ص) إنا بأرض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة! قال: إذا لم تصطبحوا أو تعتبقوا أو تختفؤا بها بقلا، فشأنكم بها.
و قال الحسن: يأكل منها مسكته.
و ذكر في تختفئوا خمس لغات: تختفئوا بالهمزة و تختفوا- بحذفها- و تختفيوا- بقلبها ياء- و تختفوا و تخفوا- بالتخفيف- و الخفا أصل البردي كانوا يقشرونه و يأكلونه في المجاعة، فمع وجود ذلک لا يجوز أكل الميتة.
و قوله: «فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» عقيب قوله: «فَمَنِ اضطُرَّ فِي مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجانِفٍ لِإِثمٍ» لا يدل علي ان له أن يعاقبهم علي فعل المباح، لان الوجه في ذلک أنه أراد أن يصف نفسه بمغفرة الذنوب و سترها، و الصفح عنها ليدل بذلك علي أنه أحري ألا يؤخذ بفعل المباحات الّتي ليست بذنوب، کما قال: «إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبادُكَ وَ إِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ» فدل علي أن ما يفعله من المغفرة أو العقوبة صواب و حكمة، ليكون أعم في الدلالة علي استحقاقه الأوصاف المحمودة.
و أجاز بعضهم أن يکون ذلک ثواباً لبعض المكلفين قدمه کما انه يجوز ان تكون الحدود عقاباً لهم قدمه فلا شبهة في ذلک.
قوله تعالي: [سورة المائدة (٥): آية ٤]
يَسئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُم قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ ما عَلَّمتُم مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمّا أَمسَكنَ عَلَيكُم وَ اذكُرُوا اسمَ اللّهِ عَلَيهِ وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ (٤)
- آية بلا خلاف-.