تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦٦
فمن اللّه، لأنه ألذي عرضك للثواب، و أعانك عليها. و ما أصابك من عقاب سيئة فمن نفسك، لأنه تعالي نهاك عنها، و زجرك عن فعلها. فلما ارتكبتها كنت الجاني علي نفسك. و انما احتاج إلي التقدير، لأن ما أصابك ليس هو ما أصبته. و يجوز أن يکون المراد بالسيئة ما يصيبهم في دار الدنيا من المصائب، لأنه لا يجوز أن يکون ذلک عقابا أو بعض ما يستحقونه. و قوله: «فمن نفسك» معناه فبذنبك في قول الحسن، و قتادة، و السدي، و إبن جريج، و الضحاك. قال البلخي: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير. و يحتمل أن يکون المراد أو تأديب وقع لأجل تفريط. فان قيل: كيف عاب قول المنافقين في الآية الاولي، لما قالوا إذا أصابتهم حسنة انها من عند اللّه، و إذا أصابتهم سيئة، قالوا هذه من عندك.
و قد اثبت مثله في هذه الآية! قلنا عنه جوابان:
أحدهما- ان ذلک علي وجه الحكاية. و التقدير يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن اللّه، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك. و يکون (يقولون) محذوفا، لدلالة سياق الكلام عليه.
الثاني- ان معناهما مختلف. فالأول عند أكثر أهل العلم ان المراد به النعمة، و المصيبة من اللّه تعالي. و في الآية الثانية المراد به الطاعة، و المعصية. فلما اختلف معناهما، لم يتناقضا. و يکون وجه ذكر هذه الآية عقيب الاولي ألا يظن ظان ان الطاعات و المعاصي من فعل اللّه، لما قال في الآية الاولي: «قُل كُلٌّ مِن عِندِ اللّهِ» و في الآية دلالة علي فساد مذهب المجبرة، لأنه تعالي قال: «فَمِن نَفسِكَ» فأضاف المعصية إلي العبد و نفاها عن نفسه تعالي. و لو كانت من خلقه، لكانت منه علي أوكد الوجوه. و لا ينافي ذلک قوله في الآية الاولي «كُلٌّ مِن عِندِ اللّهِ» لأنا بينا وجه التأويل فيه. و قال الرماني: و في الآية دلالة علي أنه تعالي، لا يفعل الألم إلا علي وجه اللطف، أو العقاب دون العوض فقط، لأن المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي اما عقوبة، و اما من قبل تأديب المصلحة.
و قوله: «وَ أَرسَلناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا» معناه من الحسنة ارسالك يا محمّد (صلي