ميزان الحكمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٥٤
كانوا يظهرون لأنبيائهم أنهم اطيروا بهم فلا يؤمنون، وأجاب عن ذلك أنبياؤهم بما حاصله: أن التطير لايقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا، وأن الأمر إلى الله سبحانه لا إلى الطائر الذي لايملك لنفسه شيئا، فضلا عن أن يملك لغيره الخير والشر والسعادة والشقاء، قال تعالى: * (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم) * [١] أي ما يجر إليكم الشر هو معكم لا معنا، وقال: * (قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله) * [٢] أي الذي يأتيكم به الخير أو الشر عندالله، فهو الذي يقدر فيكم ما يقدر لا أنا ومن معي، فليس لنا من الأمر شئ. وقد وردت أخبار كثيرة في النهي عن الطيرة وفي دفع شؤمها بعدم الاعتناء أو بالتوكل والدعاء، وهي تؤيد ما قدمناه من أن تأثيرها من التأثيرات النفسانية، ففي الكافي بإسناده عن عمرو بن حريث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت، وإن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا ". ودلالة الحديث على كون تأثيرها من التأثيرات النفسانية ظاهرة، ومثله الحديث المروي من طرق أهل السنة: " ثلاث لايسلم منها أحد: الطيرة والحسد والظن. قيل: فما نصنع ؟ قال: إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق ". وفي معناه ما في الكافي عن القمي عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام)
[١] يس: ١٨، ١٩.
[٢] النمل: ٤٧.قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كفارة الطيرة التوكل... " الخبر. وذلك أن في التوكل إرجاع أمر التأثير إلى الله تعالى، فلا يبقى للشئ أثر حتى يتضرر به. وفي معناه ما ورد من طرق أهل السنة على ما في نهاية ابن الأثير: " الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل ". وفي المعنى السابق ما روي عن موسى ابن جعفر (عليه السلام) أنه قال: " الشؤم للمسافر في طريقه سبعة أشياء: الغراب الناعق عن يمينه، والكلب الناشر لذنبه، والذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو مقع على ذنبه ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا، والظبي السانح عن يمين إلى شمال، والبومة الصارخة، والمرأة الشمطاء تلقى فرجها، والأتان العضبان - يعني الجدعاء - فمن أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل: اعتصمت بك يارب من شر ما أجد في نفسي، فيعصم من ذلك "
[٣]. ويلحق بهذا البحث الكلامي في نحوسة سائر الامور المعدودة عند العامة مشؤومة نحسة كالعطاس مرة واحدة عند العزم على أمر وغير ذلك، وقد وردت في النهي عن التطير بها والتوكل عند ذلك روايات في أبواب متفرقة، وفي النبوي المروي من
[٣] الخبر على ما في البحار مذكور في الكافي والخصال والمحاسن والفقيه، وما في المتن مطابق لبعض نسخ الفقيه.