شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٢٢ - حديث موسى
تسبّح لي وجلا و الملائكة من مخافتي مشفقون و الأرض تسبّح لي طمعا و كلّ الخلق يسبّحون لي داخرون، ثمّ عليك بالصلاة، الصّلاة فانّها منّي بمكان و لها عندي
قال اللّه تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰاوٰاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ. وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ قال المحققون و المفسرون ان تسبيح السماء و الارض و الاشجار و الاحجار و نحوها من المكونات الغير العاقلة عبارة عن تنزيهه تعالى بما هو فيهن من لوازم الامكان و توابع الحدوث و بواعث الافتقار الى الغير فى الوجود و البقاء و الكمالات و غيرها مما هو ملحوظ فى الممكنات بلسان الحال حيث تدل بامكانها و حدوثها و افتقارها على وجود الصانع القديم الواجب بالذات الغنى عن الغير من جميع الجهات المنزه عن الاتصاف بصفات الممكنات تحقيقا للفرق بين الصانع و المصنوع و أن تسبيحهم هذا انما يفقهه من له عقل صحيح و نظر صريح لا غيرهم و ان الخطاب فى قوله تعالى وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لهذا الغير هذا، و يمكن أن يقال لجميع الممكنات تسبيح بلسان القال أيضا و لا يبعد اعطاء هذه القدرة لهم من القدرة القاهرة الالهية و يؤيده نطق الاحجار و الحصا للنبى و الوصى (عليهما السلام) و سماعه بعض الحاضرين و نطق الجوارح يوم القيمة كما نطق به القرآن المبين و ظاهر قوله تعالى و جلا و تسبيحهم مع عدم الحاجة حينئذ الى تخصيص الخطاب فى قوله وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ بمن ليس له نظر صحيح و لا الى حمل التسبيح فى الآية على الحقيقة و المجاز أو على القدر المشترك بينهما و اللّه يعلم
(و الملائكة من مخافتى مشفقون)
(١) لعل المراد أنهم من أجل مشاهدة العظمة و المهابة أو من أجل الخوف الحاصل لهم من مشاهدتهما مشفقون من نزول العذاب عليهم بسبب التقصير فيما أمروا به او من زوال كمالاتهم المحتاجة إليه أو من سقوط منزلتهم لديه و الفرق بين الوجهين أن مشاهدة العظمة سبب للاشفاق فى الاول و الخوف الحاصل منها سبب له فى الثانى و فى الاول تجوز باعتبار أنه اريد بالمخافة و هى الخوف من مشاهدة العظمة نفس تلك المشاهدة مجازا و به فسر بعض المفسرين قوله تعالى فى وصف الملائكة هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ نقل عن بعض أهل العرفان ان للّه تعالى ملائكة حول العرش يسمون المخلصين تجرى أعينهم مثل الانهار من خشية اللّه فيقول لهم الرب جل جلاله ملائكتى ما الّذي يخفيكم فيقولون ربنا لو أن أهل الارض اطلعوا من عزتك و عظمتك على ما اطلعنا عليه لما ساغوا طعاما و لا شرابا و لا انبسطوا فى فرشهم و لخرجوا الى الصحراء يخورون كما يخور الثور
(و الارض تسبح لى طمعا)
(٢) فى احيائها بارسال القطرات و انزال البركات و فى نسبة الطمع الى الارض الموضوعة و الوجل الى السماء المرفوعة رعاية للمناسبة
(و كل الخلق يسبحون لى داخرين)
(٣) متذللين تحت ظل الحاجة الى كمال قدرته صاغرين فى الخشوع بين يدى رحمته. و التسبيح هنا محمول على القدر المشترك بين النطق بالتنزيه المطلق