تكمله أمل الآمل - الصدر، السيد حسن - الصفحة ٢٢٢ - ٢٣٦-بكر بن محمد بن حبيب بن بقيّة، أبو عثمان، المازني
ذلك إلاّ مديدة، حتى طلبه الواثق، و أخلف اللّه عليه أضعاف ما تركه للّه. و ذلك أن جارية غنّت بحضرته:
أظلوم أنّ مصابكم رجلا # أهدى السلام تحيّة ظلم
فردّ التوزي عليها نصب (رجل) ، ظانا أنه خبر (إن) . فقالت: لا أقبل هذا و لا غيره، و قد قرأته على أعلم الناس بالبصرة، أبي عثمان المازني، فأحضره الواثق إلى سرّ من رأى.
قال: فلمّا دخلت على الخليفة قال لي: ممّن الرجل؟قلت:
من بني مازن. قال: مازن تميم أم شيبان؟قلت: مازن شيبان. قال لي: (باسمك) ؟يريد (ما اسمك؟) ، و هي لغة قومنا يبدّلون الميم باء، و عكسه، فكرهت أن أقول (مكر) مواجهة له بالمكر، فقلت: بكر بن محمد. فأعجبه ذلك، و قال لي: اجلس (فاطبئن) ، أي (اطمئن) .
فجلست، فسألني عن البيت فقلت: صوابه (رجلا) . فقال: و لم؟ فقلت: (إن مصابكم) مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ التوزي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدا ظلم، فالرجل مفعول (مصابكم) ، و (ظلم) الخبر، و الدليل عليه أن الكلام معلّق إلى أن تقول: (ظلم) فيتمّ. فقال التوزي: حسبي، و فهم. و استحسنه الواثق و قال: من خلّفت وراءك؟قلت: خلّفت أخيّة لي أصغر مني، أقيمها مقام الولد. قال: فما قالت لك حين خرجت؟قال: طافت حولي و هي تبكي، و قالت: أقول لك يا أخي كما قالت بنت الأعشى لأبيها:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل # أرانا سواء و من قد يتم
أيا أبتا لا ترم عندنا [١] # فإنّا بخير إذا لم ترم
[١] في بغية الوعاة: «أبانا فلا رمت من عندنا» .