الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٩١ - الجمهور متفقون على عدالة الصحابة
ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم ، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة ، لخروجهم عن الإمام الحق .
ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم ، لان أحد الفريقين فاسق ، وهو غير معلوم ولا معين .
ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته ، إذا انفرد ، لان الأصل فيه العدالة ، وقد شككنا في فسقه ، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق أحدهما من غير تعيين .
والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة ، وذلك بما تحقق من الأدلة الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم . فمن ذلك قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) * ( ٢ ) البقرة : ١٤٣ ) أي عدولا . وقوله تعالى : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) * ( ٣ ) آل عمر ان : ١١٠ ) وهو خطاب مع الصحابة الموجودين في زمن النبي ، صلى الله عليه وسلم . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم والاهتداء بغير عدل محال . وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا واختيار الله تعالى لا يكون لمن ليس بعدل . ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصرتهم للرسول ، والهجرة إليه ، والجهاد بين يديه ، والمحافظة على أمور الدين ، وإقامة القوانين ، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه ، والقيام بحدوده ومراسيمه ، حتى إنهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين واستقام ، ولا أدل على العدالة أكثر من ذلك .
وعند ذلك ، فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال ، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه ، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين . وعلى هذا ، فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا ، أو أن المصيب واحد ، والآخر مخطئ في اجتهاده .