الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٣٩
وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح ، فلا أقل من المساواة .
وعلى كلا التقديرين ، فيمتنع تخصيص العام بالقياس .
فإن قيل : القول بالوقف خلاف الاجماع قبل وجود الواقفية ، إذ الأمة مجمعة على تقديم أحدهما ، وإن اختلفوا في التعيين ، ولأن القول بالوقف مما يفضي إلى تعطيل الدليلين عن العمل بهما ، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما ، فالعمل بالقياس أولى ، لأنا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس مطلقا . ولو عملنا بالقياس ، لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا ، لامكان العمل به فيما عدا صورة التخصيص .
ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين ، ولو من وجه ، أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر .
قلنا : نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل بالقياس . وبتقدير القول بالوقف ، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف ، إلا أن يوجد منهم التصريح بذلك ، وهو غير مسلم . ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه ، مع مصيره إلى نفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه ، أولى .
قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم ، قلنا في محل المعارضة أو في غيرها ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم . والنزاع إنما وقع في الترجيح في محل المعارضة دون غيره .
وبالجملة ، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو الترجيح ، على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات الموجبة التفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الأدلة فيها نفيا وإثباتا ، ظنية ، غير قطعية ، فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية ، خلافا للقاضي أبي بكر .