الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢١١ - معنى العموم - وهل له في اللغة صيغة أم لا
وأما استدلال أبي بكر بقوله ، صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش إنما فهم منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي صلى الله عليه وسلم ، لتعظيم قريش وميزتهم على غيرهم من القبائل ، فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص فيهم والاستغراق ، لما حصلت هذه الفائدة .
وأما إجماع الصحابة على إجراء ما ذكروه من الآيات والاخبار على التعميم في كل سارق وزان وغير ذلك ، فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل المومى إليها الموجبة للتعميم ، وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك ، أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الأحكام مستندا إلى عموم تلك الألفاظ ، فلا .
وأما ما ذكر من الشبهة الأولى المعنوية ، فالجواب عنها : أنا وإن سلمنا أن العموم ظاهر ، وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه ، ولكن لا نسلم إحالة الاخلال به على الواضعين . ولهذا قد أخلوا بالألفاظ الدالة على كثير من المعاني الظاهرة التي تدعو الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ عليها ، وذلك كالفعل الحالي ، ورائحة المسك والعود ، وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم الخاصة بمحالها .
فإن قيل لا نسلم أنهم أخلوا بشئ من ذلك ، فإنهم يقولون : رائحة المسك ، ورائحة العود ، وطعم العسل ، وطعم السكر إلى غير ذلك . والإضافة من جملة الأوضاع المعرفة ، ولهذا ، فإن الباري تعالى قد عرف نفسه بالإضافة في قوله :
* ( ذو العرش ) * ( ٨٥ ) البروج : ١٥ ) ، * ( ذو الطول ) * ( ٤٠ ) غافر : ٣ ) إلى غير ذلك .
قلنا : وعلى هذا ، لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم ، فإن الأسماء المجازية والمشتركة أيضا من الأسماء المعرفة ، كما سيأتي بيانه . وما وقع فيه الخلاف من ألفاظ العموم ، فهي غير خارجة في نفس الامر عن كونها حقيقة في العموم دون غيره ، أو مجازا فيه وحقيقة فيه وفي غيره ، فتكون مشتركة .
وعلى كل تقدير ، فما خلا العموم في وضعهم عن معر ف ، ولا خلاف في ذلك ، وإنما الخلاف في جهة دلالته عليه ، هل هي حقيقة أو مجاز ؟ وخفاء جهة الدلالة والوقوف في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف .