الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١٣ - خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى
الأول أن الراوي عدل ثقة ، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه ، وذلك يغلب على الظن صدقه ، فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى .
الثاني أنه يغلب على الظن ، فكان واجب الاتباع ، كالقياس ، والمسألة ظنية ، فكان الظن فيها حجة .
وأما الالزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب الغسل من غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها فمن قبيل ما تعم به البلوى ، ومع ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد فإن قيل لا نسلم إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى ، فإن أبا بكر رد خبر المغيرة في الجدة وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مظنون ، وليس كذلك . وبيانه من وجهين .
الأول : أن ما تعم به البلوى ، كخروج الخارج من السبيلين ، ومس الذكر ، مما يتكرر في كل وقت . فلو كانت الطهارة مما تنتقض به ، لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم ، إشاعته وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به ، بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في إشاعته ، حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق ، وهم لا يشعرون ، فحيث لم ينقله سوى الواحد دل على كذبه .
الثاني : أن ذلك مما يكثر السؤال عنه ، والجواب والدواعي متوفرة على نقله .
فحيث انفرد به الواحد دل على كذبه ، كانفراد الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة ، وإن الخطيب سب الله ورسوله على رأس المنبر ، إلى غير ذلك من الوقائع . ولهذا ، فإنه لما كان القرآن مما تعم به البلوى بمعرفته امتنع إثباته بخبر الواحد .
وأما ما ذكرتموه من الالزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر ، فلا تكون في معناه .
والجواب : عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة أنه لم يكن مطلقا . ولهذا عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة ، وخبرهما غير خارج عن الآحاد .