الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٦ - شروط العمل بخبر الواحد تفصيلا
قلنا : إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو ، أو التعادل ، فالراوي ، وإن كان الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له ، فذلك لا يوجب حصول الظن بصحة روايته ، لان من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي ، وإن كان ناسيا .
وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية ، فلم يكن ذلك لاختلال ضبطه وغلبة النسيان عليه ، بل لان الاكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط الذي لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا .
وما قيل من أن الخبر دليل ، والأصل فيه الصحة ، فلا يترك بالشك .
قلنا إنما يكون دليلا ، والأصل فيه الصحة ، إذا كان مغلبا على الظن ، ومع عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن ، فلا يكون دليلا لوقوع التردد في كونه دليلا ، لا في أمر خارج عنه ، ولا كذلك فيما إذا شك في الحدث ، ثم تيقن سابقة الطهارة ، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك الطارئي ، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين ، فلا يبقى معه الشك في الدوام ، حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الأصل ، لما حكم بالطهارة .
الشرط الرابع : أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على معرفة ( العدل ) لغة وشرعا .
أما العدل في اللغة ، فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان ، ومنه قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) * ( ٢ ) البقرة : ١٤٣ ) أي عدلا .
فالوسط والعدل بمعنى واحد .
وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور ، وهو اتصاف الغير بفعل ما يجب له ، وترك ما لا يجب ، والجور في مقابلته .
وقد يطلق ويراد به ما كان من الافعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره ، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته : عادل .
وأما في لسان المتشرعة ، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم .