الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨ - شروط المتواتر
وأما الاجماع ، فإنما اختص علماء الاسلام بالاحتجاج به للأدلة السمعية ، دون الأدلة العقلية ، كما سبق ، بخلاف التواتر وأما أنه لم يحصل لنا العلم بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة التثليث ، فيجب أن يكون ذلك محالا على عدم شرط من شروط التواتر ، وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل ، أو لأنهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا ، بل سمعوا كلمة موهمة لذلك ، فنقلوا التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن المسيح ، على ما قال تعالى * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) * ( ٥ ) المائدة : ٧٣ ) أو لان المسيح شبه لهم ، فنقلوا قتله وصلبه ، ولا بعد في ذلك ، وإن كان الغلط فيه غير معتاد ، إذا وقع في زمان خرق العوائد ، وهو زمان النبوة ، وإن كان بعيدا في غير زمانه . ويجب اعتقاد ذلك ، عملا بقوله تعالى : * ( وما قتلوه ، وما صلبوه ، ولكن شبه لهم ) * ( ٤ ) النساء : ١٥٧ ) .
فإن قيل : فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الأولياء ، فليجز في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه .
قلنا : إن حصل لنا العلم بخبرهم ، علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل لنا العلم به ، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر ، وإن لم يكن ذلك الشرط معينا عندنا .
الرابع : ذهب قوم إلى أن شرطه أن يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف ، وهو باطل ، فإنهم إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم ، كما لو لم يحملوا عليه . ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الاخبار عن أمر محس . وجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل ، وإن حملوا على الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم ، لفوات شرط وهو إخبارهم عن معلوم محس .