الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٧ - شروط المتواتر
وبالجملة ، فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين ، لا أن العلم مضبوط بعدد مخصوص ، وعلى هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد ، إلا ويمكن أن يحصل به العلم ، ويمكن أن لا يحصل . ويختلف ذلك باختلاف القرائن .
وما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم بخبرهم ، تحكم لا دليل عليه ، بل أمكن أن يكون لأغراض أخر غير ذلك ، أو أن ذلك واقع بحكم الاتفاق .
وعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر على من لم يحصل له العلم منه ، وإنما المرجع فيه إلى الوجدان ، هذا ما يرجع إلى الشرائط المعتبرة المتفق عليها .
وأما الشروط المختلف فيها فستة :
الأول : ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد ، ومذهب الباقين خلافه ، وهو الحق .
وذلك ، لأنه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد ، بل بخبر الحجيج ، أو أهل الجامع بواقعة وقعت ، وحادثة حدثت ، مع أنهم محصورون .
الثاني : ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم ، وهو فاسد ، لأنا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم ، وأخبروا بقضية شاهدوها ، لم يمتنع حصول العلم بخبرهم .
الثالث : ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين أن يكونوا مسلمين عدولا ، لان الكفر عرضة للكذب والتحريف ، والاسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في القول ، ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع ، ولأنه لو وقع العلم بتواتر خبر الكفار ، لوقع العلم بما أخبر به النصارى ، مع كثرة عددهم ، عن قتل المسيح وصلبه وما نقلوه عنه من كلمة التثليث ، وهو باطل . فإنا نجد من أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير ، وإن كانوا كفارا ، كما لو أخبر أهل قسطنطينية بقتل ملكهم . وليس ذلك إلا لان الكثر مانعة من التواطئ على الكذب ، وإن لم يكن ذلك ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة .