الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٤ - شبه القائلين بالوجوب الخ
فعله ، والعقاب بتقدير تركه ، ولما فيه من مخالفة النفي الأصلي بما اختص به الوجوب من زيادة الذم والوصف بالعصيان ، بخلاف المندوب كيف وإن المكلف إذا نظر وظهر له أن الامر للندب فقد أمن من الضرر ، وحصل مقصود الامر .
قولهم إن المندوب داخل في الواجب ليس كذلك على ما سبق تقريره .
قولهم إن الامر موضوع لمعنى ، فكان مانعا من نقيضه ، دعوى محل النزاع ، والقياس على الخبر من باب القياس في اللغات ، وهو باطل بما سبق . ثم إنه منقوض بالامر بالمندوب ، فإنه مأمور به على ما سبق .
فإن قيل : لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا .
قلنا : يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في المندوب .
وما ذكروه من الشبهة الأخيرة فهي منتقضة بالمندوب وأما شبه القائلين بالندب ، فمنها نقلية وعقلية .
أما النقلية فقوله ، صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذ نهيتكم عن شئ فانتهوا فوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا ، وهو دليل الندبية .
وأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه ، وهو داخل في الواجب ، فكل واجب مندوب ، وليس كل مندوب واجبا ، لان الواجب ما يلام على تركه ، والمندوب ليس كذلك ، فوجب جعل الامر حقيقة فيه لكونه متيقنا .
وجوابهما من جهة الاجمال ، فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب .
ومن جهة التفصيل : عن الأولى أنه لا يلزم من قوله : ما استطعتم تفويض الامر إلى مشيئتنا ، فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال : ما استطعتم وليس ذلك خاصية للندب ، فإن كل واجب كذلك .
وعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب ، ثم لو كان تنزيل لفظ الامر على المتيقن لازما ، لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى ، لكونه متيقنا ، بخلاف المندوب ، فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك ، وهو غير متيقن .