الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٣ - شبه القائلين بالوجوب الخ
فإن قيل : بل تقييد المندوب بالقرينة ، أولى من تقييد الواجب بها فإنها بتقدير خفائها تحمل على الوجوب ، وهو نافع غير مضر . وبتقدير تقييد الواجب بها يلزم الاضرار بترك الواجب بتقدير خفائها ، لفوات المقصود الأعظم منه ، فهو معارض بأن الأوامر الواردة في المندوبات ، أكثر منها في الواجبات ، فإنه ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات ، والواجب غير لازم للمندوب ولا يخفى أن المحذور في تقييد الأعم بالقرينة لاحتمال خفائها ، أعظم من محذور ذلك في الأخص .
وأما الشبه العقلية قولهم : إن الوجوب من المهمات .
قلنا : والندب من المهمات ، وليس إخلاء أحد الامرين من لفظ يدل عليه ، أولى من الآخر . وإن قيل بأن المندوب له لفظ يدل عليه ، وهو قول القائل ندبت ورغبت فللوجوب أيضا لفظ يدل عليه ، وهو قوله أوجبت وألزمت وحتمت .
قولهم أنه يمتنع أن يكون الامر حقيقة في الندب لما ذكروه ، فهو مقابل بمثله ، فإن حمل الطلب على الوجوب معناه : افعل وأنت ممنوع من الترك وهو غير مذكور في الطلب ، فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر .
قولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل فيجب أن يكون الامر مقتضيا للمنع من الترك .
قلنا : لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل ، إلا أن يدل عليه دليل ، كما ذكرناه في الامر . وإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى القياس في اللغة ، وهو باطل بما سبق .
قولهم إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي ، وإن سلم ، ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها ، إن لو كان الامر للوجوب ، وإلا فبتقدير أن يكون للندب ، فالنهي عن أضداده يكون نهي تنزيه ، فلا يمنع من فعلها ، وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون النهي عن أضداده ، مانعا من فعلها ، وذلك متوقف على كون الامر للوجوب ، وهو دور ممتنع .
قولهم إن حمل الطلب على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه ، فهو معارض بما يلزم من حمله على الوجوب من الاضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير