الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٢ - شبه القائلين بالوجوب الخ
وأما خبر أبي سعيد الخدري فلا حجة فيه أيضا ، فإن قوله تعالى : * ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) * ( ٨ الأنفال : ٢٤ ) إنما كان محمولا على وجوب إجابة النداء ، تعظيما لله تعالى ، ولرسوله في إجابة دعائه ، ونفيا للإهانة عنه ، والتحقير له ، بالاعراض عن إجابة دعائه ، لما فيه من هضمه في النفوس ، وإفضاء ذلك إلى الاخلال بمقصود البعثة ، ولا يمتنع صرف الامر إلى الوجوب بقرينة .
وأما خبر الحج ، فلا دلالة فيه ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ولو قلت نعم لوجب ليس أمرا ليكون للوجوب ، بل لأنه يكون بيانا لقوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت ) * ( ٣ آل عمران : ٩٧ ) فإنه مقتض للوجوب ، غير أنه متردد بين التكرار والمرة الواحدة ، فقوله : لو قلت نعم لوجب أي تكرره لأنه يكون بيانا لما أوجبه الله تعالى ، لا أنه يكون موجبا .
وأما ما ذكروه من الاجماع ، فإن أريد به أن الأمة كانت ترجع في الوجوب إلى مطلق الأوامر فهو غير مسلم ، وليس هو أولى من قول القائل : إنهم كانوا يرجعون في الندب إلى مطلق الأوامر ، مع أن أكثر الأوامر للمندوبات ، وإن أريد به أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الأوامر المقترنة بالقرائن ، فلا حجة فيه .
وأما قصة أبي بكر ، فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى : * ( أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) * ( ٢ البقرة : ٤٣ ) على أن الامر بمطلقه للوجوب ، وذلك لأنهم لم يكونوا منكرين لأصل الوجوب ، حتى يستدل على الوجوب بالآية ، بل إنما أنكروا التكرار ، والاستدلال على تكرار ما وجب ، لا يكون استدلالا على نفس اقتضاء الامر بمطلقه للوجوب .
وأما قولهم : إن أهل اللغة يصفون من خالف الامر المطلق بالعصيان ، ويحكمون عليه باستحقاق الذم والتوبيخ ، ليس كذلك فإنه ليس القول بملازمة هذه الأمور للامر المطلق ، وملازمة انتفائها للامر المقيد بالقرينة في المندوبات ، أولى من العكس .