الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٤٠ - الخلاف في قبول الخبر المرسل
ومنهم من قال ، وهم الأكثرون ، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم : الامر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به . فقولهم ( القول ) كالجنس للامر وغيره من أقسام الكلام . وقولهم ( المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ) للفصل بين الامر وغيره من أقسام الكلام ، ولفصل الامر عن الدعاء والسؤال .
ومنهم من زاد في الحد ( بنفسه ) احترازا عن الصيغة ، فإنها لا تقتضي الطاعة بنفسها ، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف الامر بالمأمور والمأمور به ، وهما مشتقان من الامر ، والمشتق من الشئ أخفى من ذلك الشئ ، وتعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال .
ومنهم من قال : الامر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا . وهو أيضا باطل لما فيه من تعريف الامر بالطاعة المتعلقة بالفعل ، والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الامر ، وهو دور ممتنع . كيف وإن فعل الرب تعالى لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب للعبد مطيعا ، بدليل قوله عليه السلام إن أطعت الله أطاعك أي إن فعلت ما أراد فعل ما تريد . وليس طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا ، إذ الامر لله قبيح شرعا ، بخلاف السؤال . ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام ، والباري تعالى ليس كذلك .
والأقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الأصحاب ، وهو أن يقال :
الامر طلب الفعل على جهة الاستعلاء .
فقولنا ( طلب الفعل ) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام ، وقولنا ( على جهة الاستعلاء ) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس .
فإن قيل : قولكم ( الامر هو طلب الفعل ) إن أردتم به الإرادة ، فهو مذهب المعتزلة ، وليس مذهبا لكم ، وإن أردتم غيره ، فلا بد من تصويره ، وإلا كان فيه تعريف الامر بما هو أخفى من الامر .