الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢١ - خبر الواحد إذا خالف القياس
وأما ما ذكرتموه من الترجيح ، فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من احتمال كذب الراوي ، وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا . واحتمال الاجمال في دلالة الخبر والتجوز والاضمار والنسخ ، وكل ذلك غير متطرق إلى القياس .
وأيضا ، فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب ، وهو أقوى من خبر الواحد ، فكان ترك خبر الواحد بالقياس أولى ، وأيضا ، فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد من جهة نفسه واجتهاده ، والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره . وثقة الانسان بنفسه أتم من ثقته بغيره .
وأيضا ، فإن خبر الواحد ، بتقدير إكذاب المخبر لنفسه ، يخرج الخبر عن كونه شرعيا ، ولا كذلك القياس .
والجواب : قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ ، قلنا : غايته أنا خصصناه في صورة لمعنى لم يوجد فيما نحن فيه ، فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة .
قولهم إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه ، ليس كذلك .
أما رده لخبر غسل اليدين ، فإنما يمكن الاحتجاج به ، أن لو كان قد رده لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الاناء ، وليس كذلك .
أما أولا ، فلانا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك . وبتقدير تسليمه ، فهو إنما رده لا للقياس ، بل لأنه لا يمكن الاخذ به . ولهذا قال ابن عباس : فماذا تصنع بالمهراس . والمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لأجل الوضوء . فاستبعد الاخذ بالخبر لاستبعاده صب الماء من المهراس على اليد . وقد وافق ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة حيث قالت : رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا ، فماذا يصنع بالمهراس ؟ .
وأما تركه لخبر التوضي مما مست النار ، فلم يكن بالقياس ، بل بما روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه أكل كتف شاة مصلية ، وصلى ، ولم يتوضأ . ثم ذكر القياس بعد معارضته بالخبر .