من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٧ - الآن حصحص الحق
وجاء يوسف عليه السلام وتحدث معه الملك، فعرف رشد عقله، واكتمال شخصيته من خلال كلامه.
وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام
(المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ) [١].
لذلك خول إليه المناصب الهامة (فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) أي ذا مكانة ثابتة، وإننا نثق بك.
[٥٥] ولكن يوسف عليه السلام لم يكتف بذلك، ولم يفرح بالتحول الفجائي الذي حدث عنده من السجن، إلى الوزارة، بل سعى من أجل الوصول إلى خطته البعيدة المدى.
(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ) أي طالب بما يسمى اليوم بوزارة المالية، ولأنه عرف أن المشكلة الأساسية في الدولة هي مشكلة القحط الذي سوف يصابون به، وعليه من جهة العمل من أجل حل هذه المشكلة، وأن يسعى من جهة أخرى نحو هداية الناس من خلالها.
وبَيَّن أنه أفضل فرد تخول إليه شؤون المال وهو صاحب علم وأمانة، فبعلمه يخطط وبأمانته يعمل دون فساد (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).
[٥٦] وقبل الملك ذلك، فلما امتلك يوسف عليه السلام سلطة المال في الدولة نشر سلطته إلى سائر المرافق، وتمكن في الأرض بفضل ربه الذي جازاه على إحسانه.
(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) أي ينشر سلطته فيها في أي مجال يريد بسبب علمه وأمانته وسلطته المالية (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ) ذلك لأن الأمور بيد الله، والله سبحانه أجرى في الدنيا نوعين من الأنظمة
النوع الأول: الأنظمة الطبيعية، مثل السعي والحكمة والصبر والاستقامة.
النوع الثاني: الأنظمة الغيبية مثل الإيمان والتقوى والإحسان، ويوسف تقدم من خلال تطبيق هذين النوعين من الأنظمة، فمن جهة عمل بحكمة وأناة واستقامة، ومن جهة ثانية قاوم الشهوات، وأتقى ربه، وأحسن إلى الناس (وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) إن الإحسان إلى الناس يتضاعف بإذن الله ليعود إليك في يوم قريب أو بعيد.
[٥٧] وجزاء المؤمن في الدنيا شاهد على جزائه الأوفى في الآخرة، وإن الله سبحانه لا يخلف وعده معه (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهكذا نستوحي من هذه
[١] مستدرك الوسائل: ج ٩ ص ٢٢.