من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٦ - الآن حصحص الحق
[٥١] وهكذا بقي يوسف في السجن إلى أن يتم التحقيق في سبب سجنه، واستحضر الملك النسوة وسألهن عن سبب تقطيع أيديهم، وهل كان ذلك بسبب فعل يوسف لشيء- حاشاه-، ولم يحرن جوابا، فاعترفن بحقيقة الأمر، وإن يوسف كان نقي الجيب، وإنهن دونه طلبن الفاحشة (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) أي هل بسبب إنه كان أهلا لهذا (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) لقد كان نظيفا للغاية، واستعذن بالله من اتهام يوسف بسوء، فلما شهدن بالأمر اضطرت امرأة العزيز إلى الاعتراف هي الأخرى (قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي الآن ظهر الحق وأبان عن الباطل. (أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) فأنا وليس هو الذي طلب مني الفجور.
[٥٢] وقال يوسف عليه السلام- وهو يؤكد براءته أمام عزيز مصر-: إنما طلب منه التحقيق مجدداً، ليعلم- ليس فقط العزيز، وإنما الملأ وعامة الناس- إني بريء، وأنني لم أخن الملك في بيته وهو غائب عنه (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) إن الخائن كانت امرأته التي لم يوفقها الله، بل أظهر حقيقتها للناس (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) والكيد: الحيلة، والله لا يوفق الخائنين في حيلهم ومكرهم.
[٥٣] ثم أكد يوسف عليه السلام أن كلامه لا يعني أنه من أنصاف الآلهة، وأنه ليس من جنس البشر، وأن الذين يعملون السيئات هم من الشياطين. كلا .. بل إن النفس لأمارة بالسوء، وأن السقوط في أوحال الرذيلة ليس بعيدا عن طبيعة البشر، وإنما يعني أن التمسك برسالات الله والتسلح بقوة الإيمان والتقوى يمنع من هذا السقوط.
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) فرحمة الله تعطي الإنسان قدرة كبيرة للتغلب على النفس الأمارة بالسوء (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ).
المؤمن يدركه الله في الظروف التي يتعرض فيها للضغوط الاجتماعية أو النفسية كما فعل سبحانه بيوسف الذي احاطت به اسباب الرذيلة الاجتماعية. حيث هددته زوجة العزيز بالسجن، وكذلك عواملها النفسية حيث عرضت امرأة شابة جميلة نفسها عليه وهو في عنفوان شبابه، حيث الشهوة الجنسية في اوجها، ولكنه نجا من الرذيلة برحمة الله حيث قال (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ).
[٥٤] وبعد أن ثبتت براءة يوسف عليه السلام أمام الملك طلبه لكي يصبح من المقربين إليه (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) أي أجعله خالصا لنفسي، أستعين به في أموري، ويبدو أن الكلمة توحي بمفهوم الوزارة عندنا.