من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨٧ - شهادة الله
قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) [البقرة: ٣٠]. إذا لبعث الله إليهم رسولا ملكا منهم، وهذا التفسير يتبناه العلامة الطباطبائي رحمه الله [١]، ويستدل على ذلك بكلمة (يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ)، دلالة على جاذبية الأرض للإنسان التي تسبغ على حركته فوق الأرض طمأنينة وتوازنا ولولاها لصعد في الهواء، أو لاضطرب في مشيه وحركته.
شهادة الله
[٩٦] (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) تلك كانت شبهات تحول بين تصديق الناس للرسالات، ولكن صدق الرسالات يتجلى عبر عدة مظاهر جعلها الله شواهد على صدق الرسالة، وكفى بالله شهيدا.
أولًا: لقد أودع الله في عقل الإنسان مجموعة قيم وتعاليم ترشده إلى الحق، والرسالات السماوية حين تأتي للبشرية تدعو الإنسان إلى ذات القيم والتعاليم وهكذا يطمئن الإنسان إلى صدق تعاليم الرسالة وقيمها، لانطباقها على القيم والتعاليم التي يحملها في نفسه، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه واله
(إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَلِكُلِّ صَوَابٍ نُوراً) [٢].
وجاء في حديث الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم
(.. يَا هِشَامُ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَ حُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالأَئِمَّةُ عليهم السلام وَأَمَّا البَاطِنَةُ فَالعُقُول) [٣].
وهذه شهادة بأننا لو تجردنا من الضغوط والأهواء والعادات والأفكار المسبقة، لرأينا بوضوح انطباق تعاليم القرآن مع التعاليم التي تكنها عقولنا وفطرتنا.
ثانياً: رغم كل الصعوبات والعراقيل التي وضعها أعداء الرسالة ولا يزالون نجد أن الإسلام قد اجتاح الأرض كلها، ولولا تأييد الله سبحانه للمسلمين في حروب بدر وحنين والأحزاب وغيرها إذا لاندحر الإسلام والمسلمون منذ البداية. ومن ذلك نصره الله للمسلمين في معاركهم المفصلية مثل عين جالوت، ولولا ذلك لانطفأت شمعة الإسلام، ولولا تأييده للمؤمنين عبر التاريخ في مواجهة التحديات المصيرية لما انتعش الأمل بتحقيق وعد الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ)
[١] راجع تفسير الميزان: ج ١٣، ص ٢٠٨.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١٧، ص ٣٤٤.
[٣] بحار الأنوار: ج ١، ص ١٣٧.