من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٧ - مسؤوليات اجتماعية
أولًا، ولسبب أخلاقي ثانياً، ولأن الوفاء بالعهود يجري عليه حكم الشرع ثالثاً: والعهد واحد من أخطر مسؤوليات البشر في حياته.
[٣٥] (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) القسطاس المستقيم: هو البيع الذي لا غبن فيه ولا غش ولعل احترام الكيل يدل على أكثر من احترام حقوق الناس، حيث يدخل ضمن احترام قوانين البلد وعدم الخروج عليها لمصلحة ذاتية.
(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) فهذا أمر حسن فطريا واجتماعيا، وأحسن نهايةً وعاقبةً، لأن الغش لو ساد مجتمعا فستحل به كارثة لا يمكن التخلص منها. ثم إنك لو تجاوزت حقوق الناس أفلا تخشى أن تسلب حقوقك ايضا.
[٣٦] (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي تتبع أمرا لا تعلم مبدأه ومنتهاه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) حيث تؤكد هذه الآية على مسؤولية جوارح الإنسان التي يجب أن تتحرك حسب مقياس صحيح وأن مسؤولية قلب الإنسان عن أفكاره وهواجسه وظنونه وحسده وحقده وجوارح الإنسان عن غمزها ولمزها، والغيبة والنميمة.
إنها لأعظم مسؤولية اجتماعية ولو سما المؤمن إلى مستوى ضبط فؤاده وسمعه وبصره فيما يخص علاقته بالمؤمنين لكان جديرا بأن يدخل جنات عدن ..
[٣٧] (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً) الإنسان المرح هو الذي يعيش حياة اللامسؤولية وما يتبعها من ظواهر كالفراغ واللهو واللعب والتكبر على الآخرين.
(إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) فإنك لن تقهر الطبيعة فتشق الأرض، وتخرقها، أو تبلغ الجبال عظمة.
[٣٨] (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) يبدو أن تفسير هذه الآية إنه ينبغي للإنسان أن يتكبر أحيانا وذلك حينما يقابل الظالم الجائر حتى لا يشعر بأنه ضعيف أمامه، لذلك يؤكد القرآن بأن السيئة (مكروهة)- فيكون ما عدا السيئة غير مكروه- فالتكبر على المتكبر ليس مكروها، بل هو مستحب، وفي الحديث
(التَّكَبُّرُ عَلَى المُتَكَبِّرِيْنَ هُوَ التَّوَاضُعُ بِعَيْنِهِ) [١].
[٣٩] (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ) والحكمة هي الجانب العملي من العلم، وهنا تعني السلوك الحسن (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) لا تتخذ لنفسك إلها غير الله فتلقى في جهنم. يلومك الناس ولا ينصرك الآلهة، وهذه الآية تشير إلى أن
[١] شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد: ج ٢٠، ص ٢٩٨.