من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٩ - من نعبد؟
إلا بسبب نقص فيهم، حيث أن قلوبهم منكرة تستبعد ما يرد عليها من الحق (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ) وسبب جحودهم هو طلب العلو والاستكبار (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).
[٢٣] ولكنهم يخفون السبب الحقيقي لجحودهم وهو الأستكبار، وتكريس عبادة الذات، بينما الله يعلم أسرارهم وإعلانهم، ويكره حالتهم هذه (لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ).
كلمة (لا جَرَمَ) مأخوذة من الكسب (حسبما جاء في المجمع عن أبي مسلم) يعني لا يحتاج معرفة هذا الأمر إلى اكتساب علم، لأننا نفهمه بلا تكلف وبوضوح. وقال البعض إن (الجرم) بمعنى قطع التمر من الشجر وإذا أضيف إليه (لا) فإنه يعني ليس هناك شيء يقطع هذا الأمر أو يخالفه.
[٢٤] ولكي يغلفوا استكبارهم بتبرير مقبول عند الناس، تجدهم يحسبون أنفسهم تقدميين، وينسبون الأفكار الصحيحة إلى العصور الماضية، وكأن الزمن يعتق الحق ويجعله باليا.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) والأساطير جمع أسطورة- في مثل وزن أحدوثة- وهي ما كتب وربما توحي اللفظة بما كتب باطلا.
جزاء الاستكبار
[٢٥] إن المستكبر يرى في الحق عدوه الخطير، لأنه يريد أن يستغل الناس ويبسط عليهم جناح طغيانه، وإذا كان الناس عارفين بالحق فلن يسمحوا له بذلك، لذلك يبث الدعاية تلو الدعاية ضد الحق، ولكن ما هي العاقبة؟.
إن عاقبته تحمل أوزار الذين يضلهم بدعاياته، بالإضافة إلى أوزاره (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) والأوزار هي: أثقال الذنوب، باعتبار أن الذنب لا ينتهي بل سوف يبقى كثقل يتحمله صاحبه يوم القيامة، وقد يشترك اثنان في تحمل وزر ذنب دون أن يخفف أحدهما عن الآخر، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف
(مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)[١].
[١] الفصول المختارة: الشيخ المفيد: ص ١٣٦.