من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٨ - روح رسالات الله
[٣] وحين ينذر ربنا عباده من الإنحراف عن خط التوحيد، فإن ذلك ينسجم مع أساس الخلق، حيث خلق السماوات والأرض بالحق، وإنه هو المهيمن عليها دون شريك، فالبشر إذا شذوا عن سنة الكون، فلا أحد ينقذهم من جزاء إنحرافهم، لأن ربنا تعالى عن الشركاء الذين يدعوهم الكفار أندادا له سبحانه فلا يغنون من عذاب الله شيئا (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
[٤] ومن هو هذا الإنسان الذي يخالف سنة الكون؟! أو لم يخلق من نطفة، فإذا به يتحول إلى مجادل يلقي الحجة بعد الحجة. ويختار رأيه الخاص به، ويفند سائر الآراء بل تراه قد يتحدى سنة الحق بلا استحياء!! (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ).
[٥] والإنسان بحاجة إلى الطبيعة من حوله، يتفاعل معها، فلابد أن يكيف نفسه مع السنن العامة التي تحكمها، فنرى الأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقها الله لكي ينتفع بها البشر من عدة أبعاد
أولًا: إنها تدفئ جسد الإنسان، بأصوافها وأشعارها (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ).
ثانياً: إن للأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) منافع أخرى في أنها تحمل الإنسان. أوليس الإبل سفينة الصحراء أو لم تكن الأبقار أفضل وسيلة للزراعة سابقا؟! فهي تحرث الأرض وهي تروي الأسرة باللبن ومشتقاته وهي إلى جانب ذلك ثروة عظيمة بسبب سرعة تناسلها (وَمَنَافِعُ).
ثالثاً: يأكل الإنسان من الأنعام باعتبارها أفضل للغذاء، وأنسب طعام للإنسان، ومن أخصب الحيوانات نسلا، وأسرعها نموا .. (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ).
[٦] رابعاً: وهي تشبع حاجة نفسية للبشر، حاجة السيطرة على الطبيعة، وتسخيرها لأهدافه، والتفاعل معها. إن منظر الأنعام حين تعود من مراعيها بالليل ليريحها أصحابها في مرابضها. إن هذا المنظر يملأ العين بهجة والقلب سرورا، ويشبع كل أبعاد النفس البشرية التي تحن إلى أمها الطبيعة. كما أن منظرها وهي تسرح أول الشروق، يطلب أصحابها لها الرزق، يشبع غرور المسؤولية عند البشر.
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) إن الحيوانات الأليفة تشبع تقريبا ذات الحاجة النفسية التي يشبعها الأولاد عند أبناء آدم ولكن بدرجة أدنى.