من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - بينات من الآيات
[١٤] عادوا وأكدوا بشرفهم وبعصبتهم أنهم سوف يحافظون على يوسف، وقالوا كيف نسمح لأنفسنا أن يتلطخ شرفنا بهذا العار، فلا نستطيع أن نحافظ على أخينا الصغير من الذئب إنها خسارة لسمعتنا الغالية (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ).
[١٥] فذهبوا بيوسف وأجمعت إرادتهم وعزائمهم على أمر واحد هو جعله في داخل البئر، دون أن يلقوه في مائها ليغرق، بل ليلتقطه بعض السيارة- كما أوصاهم أخوه روبيل-.
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) هناك أدركته رحمة ربه حيث جاءه الوحي يبشره بأنه منصور، وأنه سيأتي يوم بعيد تكون الأيام قد أنست هؤلاء فعلتهم القبيحة، فيخبرهم يوسف بهذا الأمر الفضيع وهم لا يشعرون (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) وبالرغم من أن محنة يوسف قد ابتدأت منذ تلك اللحظة إلا أن يد الغيب هرعت إليه لتكون بديلا عن حماية إخوته الخائنين به، وهكذا تشتد الأمور لتتفرج بإذن الله، ويأتي بعد العسر يسر من فضل الله.
جاء في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام قال
(لَمَّا طَرَحَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يُوسُفَ فِي الجُبِّ دَخَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ وَهُوَ فِي الجُبِّ فَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ طَرَحَكَ فِي هَذَا الجُبِّ فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ إِخْوَتِي لِمَنْزِلَتِي مِنْ أَبِي حَسَدُونِي وَلِذَلِكَ فِي الجُبِّ طَرَحُونِي قَالَ: فَتُحِبُّ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ: ذَاكَ إِلَى إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، قَالَ: فَإِنَّ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ يَقُولُ لَكَ: قُلِ اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الحَنَّانُ المَنَّانُ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرامِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً وَارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَمِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ، فَدَعَا رَبَّهُ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنَ الجُبِّ فَرَجاً وَمِنْ كَيْدِ المَرْأَةِ مَخْرَجاً وَ أَعْطَاهُ مُلْكَ مِصْرَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبْ) [١].
[١٦] ولنترك يوسف تحوطه يد الرحمة الإلهية، وتربيه في غيابت الجب، ويأتي أحد إخوته بطعام له، ولنعد إلى البيت حيث نجد يعقوب ينتظر بفارغ الصبر عودة ابنه الحبيب، ويتأخر إخوة يوسف أكثر من العادة، فلما أسدل الليل ستاره جاؤوا إلى أبيهم لعل ظلام الليل يغطي بكاءهم الكاذب (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ).
[١٧] وقبل أن يسألهم يعقوب عن يوسف الذي لم يجده بينهم بادروه بالكلام (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) ولكن بسبب كذبهم وعدم إيمانهم بما يقولون بدرت منهم كلمة أظهرت ما أخفوه فقالوا (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا)
[١] تفسير القمي: ج ١ ص ٣٥٤، بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٢٤٧- ٢٤٨.