الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٧٦ - باب حدّ الساحر
أقول: فما يراه ضعفاء النفوس بعد عزائم الساحر و يعتقدون انّه ملك أو جن فهو صورة خيالية أوجدها الساحر بقوّته في خيال المسحور كما قال اللّه تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف/ ١١٦] و رأيت في نسخة كلاما عن ابن وحشية و تنكلوش البابلي و غيرهما من رؤساء السحرة قالوا فيها يجب تعليق الوهم على الأمر الذي يريد استحداثه مثلا إذا أراد تهييج الإنسان أو تمريضه فانّه لا بدّ أن يتّخذ تمثالا يفرضه ذلك الإنسان و يعلّق وهمه عليه و على العضو الذي يريد أن يعمل به العمل الذي يريده خاصّة و فيها أيضا في الرقي أنّ النفس إذا سمعت تلك الرقي و لم يفهم منها شيئا و لم يقف عليها غشيها ضرب من الحيرة و الدّهشة و بسبب تلك الحيرة انقطعت عن العلائق الجسمانية و الغرض من نقل كلامهم أن يعلم أنّ السحر ليس الا تقوية بعض قوى نفس الساحر حتّى يؤثّر في خيال المسحور و يوجد في حسّه المشترك أمورا لا حقيقة خارجية لها و إن اتّفق أن يؤثّر في شيء ضررا فهو نظير الإصابة بالعين.
قال الشيخ المحقق الأنصاري رحمه اللّه: إنّ تسخير الملائكة و الشياطين لا يصيرون مسخرين حقيقة و إنّما يرى الرجل المسحور أو الساحر صورا خيالية مخلوقة في الوهم و موجودة [في] الذهن يزعم أنّه ملائكة فكما أنّ زيد المرئي في النوم إذا ضربته لا يتضرّر به زيد الموجود في الخارج كذلك هنا في تسخير الشياطين و الملك و توجيه الحق فيه كتوجيه الرؤيا الصادقة ثمّ إنّ من يتصدّى لسحر ربّما لا يوفق لشيء أصلا و لا يحصل له القدرة على عمل لعدم كون نفسه قوية على التأثير و لا مستعدة لأن يحصل له إذ ليس تأثير الرقي و التعاويذ و التماثيل و النقوش التي يتوسّلون بها نظير تأثير الأدوية الطبية و الموجودات الطبيعية منسوبة الى ذاتها بحيث تؤثر من يدهن كانت بل التأثير لنفس الساحر و إنّما الرقي و التماثيل آلات و وسائل و السحرة أيضا مختلفون في مبلغ تأثيرهم فبعضهم شديد و بعضهم ضعيف و بعض الأمور ممّا لا يبلغ إليه قوّة نفس الساحر كلّما بلغ في الشدّة مثل قلب صور الأجسام كجعل العصي حيّة و الإنسان كلبا و النحاس ذهبا و إنّما ذلك مخصوص بنفوس الأنبياء و الأولياء معجزة لهم باقدار اللّه تعالى.
و حكي عن تنكلوش البابلي أنّه قال: و من الجهال من يرى إنسانا يمارس هذه الصنعة ثمّ لا يفلح فيها فيستدل بذلك على بطلان هذه الصناعة و هذا باطل لأنّ كلّ مشخّص، فإمّا أن يكون طالعه يدلّ على أنّه يتأتّى منه هذه الأعمال أو يكون طالعه لا معاونا و لا معاوقا و لما كانت مراتب المعاونة و المعاوقة غير مضبوطة بحدّ معيّن لا جرم تفاوتت مراتب الاستعداد في هذا الباب فلا بدّ من رعاية أنّ هذه الأدلّة هل تعينه على الصنعة أم لا و نقل مثل ذلك عن أبي بكر و ابن وحشية و هما من رؤسائهم ذكرهما ابن النديم و اسم أبي بكر أحمد بن علي و هذا كلّه يدلّ على اعتراف مهرتهم بأنّ السحر عبارة عن تأثير النفوس لا تأثير الرقي و العزائم بنفسها كتأثير الأدوية إذا تحقّق لديك ما ذكرنا لك أمكنك أن تعرف الحكم الشرعي في الساحر بغير دغدغة فمن تراه يتناول هذه الصناعة فان ثبت كونه معتقدا لما يراه الصابئون من أهل بابل فهو مرتد عن الإسلام و إن لم يثبت ذلك فان ثبت كون أعماله مؤثّرة فيما يدّعيه لقوته نفسه تناوله تعريف الفقهاء كما نقلناه.