الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٧٥ - باب حدّ الساحر
ذلك فلا محيص عن كون الإضرار مأخوذا في موضوع الحكم أو في مفهوم السحر كما عرفه فقهائنا فلا يشمل مثل تسخير الجنّ و الشعبدة و ان حرم التكسّب بهما لأنّها أكل المال بالباطل و المتتبّع يجد قرائن كثيرة تشهد بكون السحر مخصوصا في الاصطلاح بمن كان يعتقد عقائد أهل بابل و قد نقل من السحرة في طلب تجلّي روحانية المرّيخ في الرؤيا بعد صوم و بخور و تدخين و اختيار ساعة مناسبة و تصوير صورة رجل شاكي السلاح و تدخينها بالطرفا و الكندر و غير ذلك أن يخرج تحت السماء و يخاطب المريخ و يقول مخاطبا له: يا قويّا شديدا لا يطاق و لا يرام و متسلّطا على الكلّ أنا أتقرّب إليك و اصلّي و أمدحك و أمجّدك أسألك أن تجلي لي الليلة في منامي صورتك الكريمة العزيزة فاذا فعلت ذلك فانّي أتّبع ذلك باحراق أي شيء شئت و قدرت عليه من حيواناتك و احرق لك النبات و ما قدرت عليه ممّا أعلم أنّ فيه رضاك فجد عليّ يا جواد ... الى آخره.
و رأيت في نسخة أيضا عنهم في دعوة أربع روحانيات متعلّق بالرأس و الذنب بأن يخلى لهم بيتا نظيفا و يلبس ثوبا نظيفا و يصنع لكلّ منهم خوانا فيه ألوان من الأطعمة و الأشربة على ما وصفوه و يسرج سراجا و يجمر مجمرة و يدخن بخورا و يدعوهم بقوله: أيّتها الأرواح الروحانية المتعالية أجيبوني و انصروني و قوّموني بتدبيركم و افهمونى ما لا أفهم و علّموني ما لا أعلم و ادفعوا عنّي الآفات ... الى آخر ما قالوا.
فانّك لا تلبث أن يظهروا لك على صورهم الهائلة فيقوم كلّ واحد منهم عند خوانه فإذا قضوا مهمّتهم من ذلك الطعام و سقوا نطقت لك روحانيتهم من ذلك الطعام ثمّ إنّهم يطلبون العهد منك فاعطهم بالسمع و الطاعة فينصرفون عنك و قد أعطوك قواهم العالية القاهرة ثمّ خذ ذلك الطعام و اطعم منه أنت و من شئت و غير ذلك كثير دلّ على أنّ أعمالهم بيّنة على الوهية الكواكب و تأثير روحانيتها و هذا هو المراد من تسخير الملائكة و لا ريب أنّ كثيرا ممّا يشتمل عليه هذه الخطابات تخالف ضرورة الدين سواء كان ممّا له حقيقة أو لا.
و قال بعض الحكماء في بيان السحر و حقيقته أنّ لبعض النفوس قدرة في فطرتهم و لمتصوّراتهم النفسانية تأثيرات قوية و تكون قادرة على أفعال يعجز عنها غيرها و يجوز أن يكون بعض الأعراض النفسانية يقويها و بعض النفوس ليست بتلك القوّة لكنّها مستعدّة لأن تكمل بالتأديب و تؤثر بتوجه وهمه فتكون قدرته كسبية فيرتاض بالصوم و ترك ملاذ الدنيا و الالتفات الى طلبها حتى لا يشتغل بهمومها فيصفو قلبه و يقوي همته على التفكّر فيما يريد و يقبل مع ذلك على تنقية بدنه حتّى لا تشتغل النفس بالتصرف في الغذاء و القوّة الواحدة أي النفس او استعملت بتمامها في جانب واحد أي في تقوية الواهمة و المخيلة فلا شكّ انّها تكون أقوى ممّا إذا وزّعت على امور كثيرة و بالجملة فالسحرة كانوا قوما يؤثرون بقوّة نفوسهم في الخارج عن أبدانهم تأثيرا ما و الوسائل التي كانوا يتوسّلون بها كصنعة أصنام و صور و نقش و كتابة و تدخين و أمثال ذلك كانت لينظروا إليها و يتوجّه ذهنهم الى ما يريدون توجها تاما ليؤثر النفس بقوّتها لا أنّ للأصنام و التماثيل و الرقي تأثيرا.