الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩ - كتاب الحسبة و الأحكام و الشهادات
الماء و اللّبن و أيضا يعرف غشّ اللّبن الحليب بأن يغمس فيه شعرة ثمّ يخرجها فإن لم يعلّق عليها شيئا من اللّبن يكون مغشوشا بالماء و إن علّق اللّبن عليها يكون خالصا و قال إنّ تدليس الصّاغة و غشوشهم خفيّة لا تكاد تعرف و لا يصدّهم عن ذلك إلّا أمانتهم و دينهم و إنّهم يعرفون من الجلادات و الأصباغ ما لا يعرفه غيرهم، فمنهم من يصبغ الفضّة صبغا لا يفارق الجسد إلّا بعد السّبك. و أمّا تراب الدّكاكين فانّه أموال النّاس قد جهلت أربابه فينبغي أن يباع و يتصدّق به عن أربابه، ثمّ أورد بابا في الحسبة على الأطبّاء و الكحّالين و الجراحين و المجبّرين و قال ينبغي أن يكون الأطبّاء مقدّم من أهل صناعتهم فقد حكي أنّ ملوك اليونان كانوا يجعلون في كلّ مدينة حكيما مشهورا بالحكمة، ثمّ يعرضون عليه بقيّة أطبّاء البلد فيمتحنهم فمن وجده مقصّرا في علمه أمره بالاشتغال و قراءة العلم و نهاه عن المداواة و إن مات مريض حضر أوليائه عند الحكيم المشهور و عرضوا عليه النّسخ الّتي كتبها لهم الطّبيب فإن رآها على مقتضى الحكمة و صناعة الطّبّ من غير تفريط و لا تقصير من الطّبيب قال هذا قضى ببلوغ أجله و إن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم خذوا دية صاحبكم من الطّبيب فإنّه هو الّذي قتله بسوء صناعته و تفريطه فكانوا يحتاطون على هذه الصّورة الشّريفة إلى هذا الحدّ حتّى لا يتعاطى الطّبّ من ليس من أهله و لا يتهاون الطّبيب في شيء منه و ينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد ابقراط الّذي أخذه على سائر الأطبّاء و يحلفهم أن لا يعطوا أحدا دواء مضرّا و لا يركّبوا له سمّا و لا يصفوا سمّا عند أحد من العامّة و لا يذكروا للنّساء الدّواء الّذي يسقط الأجنّة و لا للرّجال الّذي يقطع النّسل.
و أمّا الكحّالون فيمتحنهم المحتسب كتاب حنين بن إسحاق أعني العشر مقالات في العين فمن وجده قيما فيما امتحنه به عارفا خبيرا بتركيب الأكحال و أمزجة العقاقير أذن له المحتسب و امّا كحّالو الطّرقات فلا يوثق بأكثرهم إذ لا دين لهم و يصدّهم عن التّهجّم على أعين النّاس بالنّسع و الكحل بغير علم و مخبرة بالأمراض و العلل الحادثة. و أمّا المجبّرون فلا يحلّ لأحد أن يتصدّى للجبر إلّا بعد أن يعرف المقالة السّادسة من كتاب فوليس في الجبر و أن يعلم عدد عظام الآدميّ و هي مائتا عظم و أربعون و ثمانية أعظم و صورة كلّ عظم و شكله و قدره.
و أمّا الجراحيّون فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بقاطاجانس في الجراحات و المراهم و أن يعرفوا التّشريح و أعضاء الإنسان و ما فيه من العضل و العروق و الشّرايين و الأعصاب و أن يكون معه دست المباضع و منهم من يهرجون على النّاس بعظام تكون معهم فيدفنونها في الجرح ثمّ يخرجونها بمحضر من النّاس و يزعمون أنّ أدويتهم القاطعة أخرجتها.
و قال ينبغي للمحتسب أن يقصد مجالس الأمراء و الولاة و يأمرهم بالشّفقة على الرّعيّة و الإحسان إليهم و يذكر لهم ما ورد في ذلك من الأحاديث عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ينبغي أن يكون ملازما للأسواق يركب في كلّ وقت و يدور على السّوقة و الباعة و يتفقّد-