علي والخوارج - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٩١
الثاني: أنها بحاجة أيضاً إلى انفتاح حقيقي في العقول والقلوب والمشاعر على الناس، وعلى قضاياهم من موقع الإقناع والاقتناع. وهذا ما لم يستطع «الخوارج» حتى الإباضيون المتساهلون أن يفعلوه لما كانوا عليه من خشونة، ومن عصبيات وجمود، ولأن نفس تلك المفاهيم كانت خاطئة، بالإضافة إلى طبيعة نظرتهم التي كانت تهيمن على عقلياتهم وعلى سلوكهم.
فلم يكن أمامهم سوى الانكفاء إلى أماكن نائية وبعيدة عن مراكز العلم والمعرفة، والتحضر، ثم الانطواء على أنفسهم ـ وذلك هو الحل الوحيد الذي بقي أمامهم، فبقوا محصورين في مناطقهم البعيدة عن الحركة الفكرية والثقافية طيلة قرون طويلة من الزمن.
الثالث: ومما ساعد على هذا الانكفاء على الأعقاب والإنطواء: أن دعوتهم لم تكن منسجمة مع الفطرة الصافية، ومع بديهيات هذا الدين وثوابته. وقد تقدم بعض ما يشير إلى ذلك، فلا نعيد.
الرابع: عدم ثقة المسلمين بهم، وظهور التزييف والتحريف والتقلب غير المسؤول في مواقفهم وفي مبادئهم.
ويكفي أن نذكر: أن الناس قد رأوا: أن ما يظهرونه من تساهل، وما يدعونه من اعتدال فيما يرتبط برأيهم في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قد سلكوا فيه سبيل التمويه والخداع والتزييف لحقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم وما يسرونه من مبادئ وتعاليم.
وهذا ما سيتضح في الفصل التالي: